حماس من أجل التحرر بقطاع غزة


آخر تحديث: May 18, 2018, 10:29 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

يبدو أن الهدف من إطلاق مسيرة العودة, وتوجيهها نحو سياح الحدود الشرقي مع إسرائيل, كان تكتيكيا من قبل حركة حماس التي ما زالت هي الجهة التي تطبق على مقاليد الحكم الفعلي والحقيقي في قطاع غزة, ونقصد بذلك جعل الحراك الشعبي أداة للضغط من أجل كسر الحصار عن قطاع غزة, وليس من أجل لا تحقيق أو تنفيذ حق العودة للاجئين الفلسطينيين سواء أولئك المقيمين في قطاع غزة, أو في غيره بالضفة الغربية أو الأردن, لبنان وسوريا أو في الشتات البعيد والنائي . 
أي أن الهدف من مسيرة العودة, رغم التحضير لها منذ يوم الأرض في الثلاثين من آذار/مارس الماضي, لم يكن استراتيجيا, القصد منه تطوير البرنامج الوطني بحيث يتضمن بند العودة بشكل واضح ومن خلال أداة تحريك هذه الملف متمثلة بحراك العودة, ولعل إيصال الحراك إلى "ذروة صعوده" بشكل عاجل أو فوري هي أول أدلة هذا الاستخدام التكتيكي من قبل حركة حماس, ثم فيما تلا من اتصالات ومحادثات غير معلنة التفاصيل, هو ما يؤكد هذا المآل والمنحى, ولو أن الهدف كان استراتيجيا, من خلال إضافة فعل حراك العودة متمثلا في مسيرتها وفي إقامة الخيام الحدودية, وفي أطلاق الطائرات الورقية, أي تحويل هذا المظهر إلى صورة دائمة والحراك إلى فعل وتفاعل مستمر, دون سقف زمني محدد, لكان حقا سيجد المجتمعون في قاعة المجلس الوطني التوحيدي القادم ل م ت ف ملف العودة كحق واجب التنفيذ, وحتى على طاولة صفقة القرن أو سواها كان سيفرض ملف العودة حضوره وتناوله والتفاوض حوله . 
لكن وخلال سبعة أيام جمع, وقعت ما بين يوم الأرض ويوم النكبة كان ناشطو حماس المدنيون ممن يقودون مسيرة العودة ميدانيا, يقومون "بقرض" جزء من السياج الحدودي الشائك, دون أن تقوم إسرائيل خلال الأيام الستة التالية التي تفصل بين يومي الجمعة والخميس من كل أسبوع, لا بمعالجة القطع ولا بمحاولة إقامة جدار مثلا أو قنوات مائية أو أي حواجز طبيعية أخرى, وكأنها كانت تغض النظر عن تلك الفتحات التي حدثت خلال تلك الأسابيع في السياج, والتي كانت تعرف بأن الحشود ستدخل منها إلى داخل الخط الأخضر, أي إلى داخل حدود دولة إسرائيل المعترف بها دوليا .
وهذا يعني حدوث "مجزرة" بحق المندفعين من البشر, كانت تنتظرها إسرائيل, كما كانت حماس تحضّر لها , وكانت قد حددت لها نقطة الصفر وهي يوما الرابع عشر والخامس عشر من أيار/مايو الجاري, لكن لماذا "توافقت" إسرائيل وحماس حول هذه النقطة, فبتقديرنا لأن الجميع يعلم بأنه ما لم يحدث هناك مشهد دراماتيكي حول غزة, فإن أحدا لن يهتم بطرح ملفها على طاولة البحث, ولا أن يتم تحريك المياه الراكدة في ملفها, خارج إطار أو مسار طريق المصالحة المتعثر .
أي أن فتح طريق لحل مشكلة حصار قطاع غزة, بعد سقوط الضحايا, وبعد تعثر ملف المصالحة, الذي وصل بعد آخر فصل منه, وهو قطع الرواتب بالكامل, ووقف الخدمات تماما من قبل السلطة في رام الله, يكون ممكنا بعد أن يكون المواطنين في قطاع غزة, قد وصلوا إلى حالة "الكفر" بكل ما هو وطني, والى اليقين من استحالة تحقق المصالحة مع رام الله, بما يعبد الطريق أمام حل من نوع آخر, تجده حماس مع الطرف الأسرائيلي وليس مع طرف السلطة في نهاية طريق آخر هو غير طريق المصالحة دون شك .
هناك جزرتان قدمتا لحماس مقابل وقف مسيرة العودة, وهما تحريك ملف تبادل الأسرى, الذي يزيد جدا من وزنها السياسي بما يرجح كفتها على كفة  أبو مازن وسلطة رام الله, كذلك ملف تحسين شروط الحياة في قطاع غزة, إن كان من خلال فتح معبر رفح, أو من خلال الحديث عن صفقة سياسية شاملة, عنوانها السلاح مقابل فك الحصار بالكامل .
لعل جميع من يراقب الحالة السياسية المحيطة بغزة وحماس بات يدرك بأن لمصر قدرة على التأثير على حماس في غزة, ولعل استدعاء رئيس الحركة عشية منتصف أيار على عجل للقاهرة لدرجة أن يجد في انتظاره مروحية تقله من رفح إلى القاهرة, ثم يعود بعد ساعات فقط , وبعد اتفاق على معلن على أي حال, بأن لا يتم استخدام السلاح, أو عسكرة مسيرة العودة, بما جعل من يوم نقل السفارة الأمريكية للقدس يمر بأقل الخسائر, أو على الأقل بحدوث الصخب في غزة دون الضفة والقدس ! 
ثم أن يعلن بعد يومين فقط بان مصر قررت فتح معبر رفح طوال شهر رمضان, الأمر الذي لم يحدث من قبل طوال سبع سنين مضت, ما يعني بأن "الترتيبات الخاصة بقطاع غزة" قد بدأت, وربما تكون هي ضمانة المشاركة الفلسطينية الفعلية في صفقة القرن, أي أن يتم التوصل لحل حول غزة, باعتبارها الملف الفلسطيني والطرف الفلسطيني المشارك ضمن مؤتمر إقليمي ينجم عنه تحالف إقليمي, لكن على أن يتم الحل حول غزة, على شكل حل انتقالي او تدريجي, ذلك أن قصة سلاح غزة تبقى دائما وأبدا هي عقدة منشار أي حل . 
من الممكن جدا التوصل إلى حل تريده حماس وإسرائيل ومصر وأمريكا والسعودية والأمارات, يكون محوره غزة, وغزة فقط, ولا أحد عليه أن ينسى أنه حتى إعلان أوسلو قد جعل من غزة محورا له, في الوقت الذي تغلق فيه الأبواب تماما بين عباس وإسرائيل وأمريكا, وتوارب بينه وبين مصر والسعودية وحتى الأردن, وشيئا فشيئا سيجري التفريق _بتقديرنا بين ملف غزة وملف الضفة_ على أن يتم تحميل كل الملفات الشائكة والإشكالية لملف الضفة لعدم حله, نقصد ملفات القدس واللاجئين, الحدود والأمن والسيادة وكل ملفات الحل النهائي . بينما غزة في حل من كل هذه الملفات, بل إن إسرائيل انسحبت منها عام 2005 من طرف واحد, ولم تكن تريدها منذ عام 1987, لكن فقط كانت المشكلة تكمن في أن يجري إطلاق حدود غزة الخارجية وبالتحديد جعل حدودها مع مصر وإسرائيل والبحر حدودا دولية ثنائية, هو أن يكون هناك أتفاق امني سياسي, يجعل من غزة دولة فلسطينية ويضمن أمن إسرائيل من خلال تجريد غزة من السلاح, والحيلولة دون امتلاكها له لاحقا .