ضاق الزمان


آخر تحديث: May 16, 2018, 4:10 pm


أحوال البلاد
بقلم: عصام أبو فرحة

 قصة قصيرة كنت قد كتبتها ونشرتها في شهر نيسان من عام 2009 , وأعيد نشرها الآن بعد ثلاث سنوات , لحاجة في نفسي , فأرجو أن تروق لكم .
بحركاتٍ أثقلتها المحن ونال منها الزمن كانت الحافلة تشق طريقها المتعرج الممتلىء بشتى أشكال المعيقات من حفريات ومنعطفات ومطبات , طريق طويل يشق صحراء قاحلة موحشة جرداء , عواء بنات آوى يزيد ليلها وحشة , والرياح الجافة المحملة بالرمال تزيد نهارها جفافاً وحرقه , كان عرفان يجلس خلف عجلة القيادة يدير دفة الحافلة بيدين ثابتتين ربطتهما بالمقود سنوات طويلة من الخبرة في مجال الحافلات وقيادتها , يرقب الطريق وتعرجاته ومفاجآته ببقايا عيون عكُر الترحال صفاء لونها , وأذبل جفونها السهر , لكنها احتفظت بحدة بصرها , هدفه إيصال الحافلة الى بر الأمان وإيصال ركابها إلى وجهتهم التي ينشدون .

جمعت الحافلة في داخلها مسافرين ينشدون وجهةً واحدة وإن اختلفت ارائهم وأمزجتهم وطباعهم فمنهم من جلس مسلماً أمره لله أولا ومن ثم لعرفان , ومنهم من يتململ في جلسته لا يعجبه العجب , يلعن أي شيء ويخالف كل شيء , ومنهم من يرى أن قيادة الحافلة من حقه , ومنهم من لا يكترث لما يحدث .

ذات ليلة التفتت العيون وأطرقت الأسماع لأصوات تتعالى من هنا وهناك محذرة من دخول الحافلة في طريق غير صحيح سيودي بالجميع إلى التهلكة لا محالة , ملقين باللائمة على عرفان الذي قال لهم سنصل بعد ثلاثة أيام أو أربعة , وهاهم لا يزالون في دوامة الطريق ما يربو عن أسبوع كامل , تعالت الاصوات : هذا ( العرفان ) اللعين سيلقينا في التهلكة , متآمر حقود , انكشف أمرك يا ابن ( ...... ) , ترك الجميع أماكنهم متجهين إلى مقدمة الحافلة مطالبين عرفان بالتوقف , تحت وابل من اللكمات والصفعات والشتائم واللعنات توقفت الحافلة , نزل عرفان مثخناً بجراحه تطارده الأكف وتركله الأقدام , حيث تم تقييده وزجه في صندوق الامتعة .
وسط الجموع المترقبة للمجهول والباحثة عن طوق نجاة قام ( الأستاذ فهمان ) خطيبأ , يحدث عن التغيير وعن طرقٍ من الإسفلت الحريري ستسلكها الحافلة تحت قيادته , فهو من كان يجلس طوال الرحلة خلف عرفان , فعرف دهاليز الطرقات وكيفية الخروج من المتاهات .
ذلك الحديث وتلك الشعارات لم ترق لسمعان , فقام مقاطعاً : 
ويحك يا هذا , أتريد السير بنا على درب عرفان ؟؟ أنا , وأنا فقط من يستحق تلك القيادة , فقد جلست طوال رحلتي في وسط الركاب , شاركتهم هموموهم وأحزانهم , عرفت آمالهم وتطلعاتهم , أنا ( وأعوذ بالله من كلمة أنا ) أحق بالقيادة , وقد بايعني الكثيرون , انقسم المسافرون وتفرق الشمل وتباينت الآراء بين داعم لفهمان ومناصر لسمعان , وكادت رياح الفرقة أن تعصف بهم وبمصيرهم , بيد أن فكرة تقدم بها عجوز حكيم حسمت الخلاف وهدأت النفوس , فركاب الحافلة هم أصحاب الحق في تسليم زمام أمورهم لمن يرونه مناسباً , وفي عجالة من الأمر وخوفاً من نفاذ الطعام والشراب تقرر إجراء الانتخابات بشكل فوري , حيث كان الأستاذ فهمان والسيد سمعان المرشحين الوحيدين .

فهمان يحشد الأنصار , ويطلق الوعود بأن الوصول بات قاب قوسين أو أدنى , أما سمعان فيعد برحلة مريحة آمنة لا خوف فيها ولا تعب .

وجاء يوم الحسم حيث تم اختيار فهمان لتولى المهام , وتم اختيار سمعان نائباً ومساعداً , قضى الجميع ليلتهم تلك حول الحافلة المتوقفة مبتهجين فرحين , حلقات الدبكة والأهازيج تملأ المكان متحدية وحشة الصحراء وظلام الليل , عاش الجميع ليلةً مفعمةُ بالأفراح حتى أدركهم الصباح .
صعد الركاب إلى الحافلة وجلس كل في مكانه مستعدين للانطلاق من جديد في رحلتهم المتوقفة منذ أيام , ومن روح المسؤولية وتحمل الأمانة بقي فهمان ومساعده سمعان في الخارج حتى اطمئنا على الركاب وتفقدا الحافلة ثم صعدا وسط تصفيق حاد وهتافات هزت أرجاء المكان .
بصعوبة بالغة وبعشرات من حركات الانحناء المتواضع استطاع فهمان إيقاف صخب الترحيب وحفاوة الاستقبال , حيث قال : أشكركم على ثقتكم الغالية , وأعانني الله على حمل تلك الامانة التي وضعتموها في عنقي , كما أشكر نائبي ( سمعان ) على تقبله نتيجة اختياركم وموافقته على إعانتي ومساندتي للوصول بكم إلى مقصدكم بأمن وسلام , إخواني من باب المسؤولية وبكل شجاعة اقول أمامكم أنني لا أعرف شيئاً عن قيادة الحافلات , لذلك أدعو نائبي للجلوس خلف المقود , وسأكون أنا إلى جانبه موجهاً ومرشداً ودليلاً .

علت موجة التصفيق والهتاف من جديد , وقام سمعان أمام الجماهير منحنياً مبتسماً , وقال :
أشكركم على ثقتكم يا أحبائي , وأثمن ثقة القائد , أستاذي وأستاذنا جميعاً فهمان , والذي ضرب لنا مثلاً في الشجاعة والصدق والشفافية , أما أنا يا أخواني فلا علم لي بالحافلات ولا أستطيع حتى تشغيلها أو إشعال أنوارها , ولا داعي للقلق فهذا عرفان سنخرجه من الخزانة ونفك أسره لنستعين به في قيادة الحافلة , وسأكون أنا وقائدي الأستاذ فهمان إلى جانبه , وبكل ما لدينا من مهارات وخبرات سنوجهه وسنجعله يسلك بحافلتنا طريق السلامة والنجاة .
نزل أحد الركاب من الحافلة وفتح الخزانة ليحرر عرفان , ولكنه سرعان ما عاد مفزوعاً وقال: يا اخوان ,,, لقد اختفى عرفاااااااااان .