حفل الأشباح


آخر تحديث: May 16, 2018, 4:09 pm


أحوال البلاد
بقلم: شيماء أحمد

كأى شبح طبيعى.. كان يستطيع التجول بحرية فى كل مكان .. دون أن يراه بشر ..
يستيقظ كل ليلة .. عند منتصف الليل .. ينفض تراب المقبرة عن جسده الأزرق الشاحب الذى لا يراه أحد ..
قابضاً على زهرته الزرقاء التى منحته إياها حبيبته فى ليلة عيد مولده ، وظل كفه مطبقاً عليها عند موته ..
فشلوا جميعاً فى إنتزاعها منه ...لأن أصابعه كانت قد تيبست عليها ..

كل ليلة .. يظل يدور فى جنبات المدينة . يزور كل الأزقة .. يطرق كل الشوارع الخلفية .. يبحث عن حبيبته .. يتحسس أثرها .. رائحتها لا زالت تملأ أعماقه .. كان يعجب .. لأن عطرها .. كان يغمر قبره !

يتعب من البحث -إن كان للأشباح أن تتعب- فيعود الى مقبرته .. مع بزوغ الفجر ..
يأخذ قسطاً من الراحة .. ليعاود البحث عند إنتصاف الليل التالى ..

كانت المدينة كلها تعرف قصتهما... كانا عاشقين لم تعرف المدينة لهما مثيلاً ..
يعرف حكايتهما كل طفل .. كل شيخ .. تحكيها الجدات للصغار قبل النوم .. الكل يحفظ صوتها .. ذلك الصوت الذى لم يتوقف لحظة عن الغناء ..
غناء حزين ..يختلط بصوت الرياح . فيعطى مزيجاً ساحراً ...... محركاً للخيال ..

كان الجميع يسمعون الصوت .. ويعرفون أنه آتٍ من جهة المقبرة التى يسكنها ..
وحده لم يكن يعرف .. لأنه لم يكن يسمع غناؤها .. فيوم تركها .. لم يستمع لتوسلاتها .. لم يسمع صوتها الحزين .. رغم انها غنت له كثيراً يومها !
فتمنت فى لحظة غضب .. أن يظل غناؤها إلى الأبد .. ولكن .. دون أن يسمعه هو ..
تمنت ألا يسمع صوتها ثانية .. أبداً ... وصادف عندما أطلقت أمنيتها .. سقوط نجم فى السماء .. فتحقق مارغبت .. وأصبحت اللعنة أبدية .. .. كل البشر يسمعون غناؤها .. إلا هو .

حتى عندما ماتت فى نفس الليلة .. ونفس اللحظة التى مات فيها .. ودفنت معه فى ذات المقبرة .. على بعد أمتار من قبره .. ... ورغم أنها لم تتوقف عن الغناء لحظة .. إلا أنه لم يسمعها ... وظل يبحث عنها طوال تلك الليالى ليعتذر منها .. على حماقته ..

وحدها كانت تعرف أنه يبحث عنها .. كانت تراقبه .. وتأبى الخروج إليه .. ترفض إراحته من عذابه ..
نصحتها شريكتها العجوز فى القبر كثيراً .... أن تخرج إليه .. وتسامحه .. ..
لكنها كانت تنظر إليها نظرة جامدة ... تصدر عن عينين خاويتين ..
كان قلبها - إن كان للأشباح قلب - ينبض فى عنف .. .. تتمنى أن تخرج إليه .. وتلقى بذاتها بين يديه ..
ولكنها كانت تنتظر .. لم تنسَ أنه تركها .. ولم يسمعها يوماً .

وفى هذه الليلة .. بحث كثيراً .. جاب كل شوارع المدينة ..
كان كالمجنون ..يشعر أن المتبقى من عمره - فلنفترض أن للأشباح عمراً - لم يعد طويلاً ..
لم يترك شارعاً إلا ودخله .. فتش كل البيوت ..
كان ينسل من بين فتحات النوافذ .. من الشرفات .. من أسفل الأبواب ..
كان هدفه الوحيد .. التفتيش فى الوجوه .. رأى فى هذه الليلة .. كل وجوه المدينة ..
كانت هناك وجوه يعرفها ويعرف أصحابها .. ووجوه يراها لأول مرة .. لكنه لم يخطر بباله أبداً ... أن يبحث فى المقبرة ..

عاد عند الفجر.. بخطى يائسة .. ورأس مُطأطأة .. كان قد فقد كل أمل فى العثور عليها ..
دخل المقبرة وهو يدندن أغنية حزينة من أغانيها ..
"حبيبى .... لم يعد هناك من يستحق أن يكون حبيبى ... سوى حبيبى .. " ..
سمعت غناؤه .. فدمعت عيناها الخاويتان .. وقررت أخيراً أن تخرج إليه .. ...
نفضت عن نفسها تراب المقبرة ..
أصلحت من حال شعرها الأسود الناعم ..
اطمئنت على ملامحها الشاحبة ..
نظرت إلى العجوز جارتها تستكشف رأيها فى هيئتها .. ..
فمدت العجوز يَدها بزجاجة الكحل .. كى تجمل بها عينيها ...
وبعد أن أتمت زيِنَتَها .. أومأت لها برضا .. ان اذهبى !

فوجئ حين رآها تخرج من القبر الملاصق له .. اسرع نحوها .. واحتضنها فى عنف ..
بقيا لدقائق فى إمتزاج لا يحدث إلا بين شبحين ..
مدت يدها .. وامسكت يده المتيبسة ..
فانفتحت أخيراً ... لتظهر الزهرة .. وقد إستعادت كل نضارتها وعبقها ..
وفى ذات اللحظة ..
خرجت كل الأشباح من المقابر المحيطة
ليشهدوا حفل زفاف ..
شبحين.