«الأرض وأحلام يقظة الراحة» لغاستون باشلار


آخر تحديث: May 15, 2018, 12:16 pm


أحوال البلاد

 

في سلسلة روائع الأدب الفرنسيّ الحديث التي يشرف عليها ويراجع ترجماتها الشاعر والأكاديميّ العراقيّ المقيم في باريس كاظم جهاد، أصدر مشروع «كلمة» للترجمة كتاب «الأرض وأحلام يقظة الرّاحة» لغاستون باشلار، في ترجمة عربيّة أنجزها قيصر الجليديّ.


ويرى هذا العمل النور بالتزامن مع ترجمة كتاب آخر يتمّمه هذا الكتاب، عنوانه «الأرض وأحلام يقظة الإرادة – بحث في خيال القوى». وكلتا الترجمتين أنجزهما الباحث وأستاذ الفلسفة التونسيّ قيصر الجليديّ.

لأعمال باشلار آثار خصبة في فلسفة العلوم من جهة، وفي دارسة الشعر من حيث ارتباطه بالخيال الماديّ من جهة أخرى. مارس فكره الإبستمولوجيّ تأثيراً كبيراً على علماء وفلاسفة يقف على رأسهم جورج كانغليم وميشيل فوكو ولوي ألتوسير وبول ريكور وبيار بورديو وآخرون. أمّا مؤلّفاته في تحليل الشعر فقد أثّرت على مجمل روّاد النقد الجديد، من جان بيار ريشار إلى رولان بارت مروراً بأعمدة مدرسة جنيف: مارسيل ريمون وجورج بوليه وجان ستاروبنسكي. كما وجد فكره في الميدانين مُحاورين أفذاذاً من أمثال جيل دولوز وجاك دريدا. وفي فهمه المتحرّر للموروث الظاهراتيّ والتحليليّ النفسيّ والنقديّ، جدّد باشلار تصوّرنا لعمل الخيال وفتَحه على مسرح العناصر الأربعة، النار والماء والهواء والأرض. واللّافت أنّه سبرَ أغوار هذا الخيال عبر أعمال الشعراء بخاصّة. فحتّى الشّذرات السرديّة التي يستشهد بها هنا وهناك إنّما يتعامل معها باعتبارها لحظاتٍ شعريّة.


ركّز باشلار تفكيره في الكتاب السّابق على أحلام يقظة الإرادة، يعيشها في صلب فعله، فيعالج بفكره ونظره ويديه المادّة العجينيّة والصّخر، ويُطوّع ركازات الأرض أو معادنها الخام، مثلما يجابه براكينها ويعيد تشكيل بلّورها وباقي أحجارها الكريمة. وفي هذا كلّه يتلمّس طبيعة الموادّ، ما كان منها صلباً أو رخواً، ما يقبل التشكّل وما يستعصي عليه. وفي كلٍّ من هذه الطبائع أو الحالات تنشأ مقاربة ماديّة وحركيّة ندين لها بتعدّد الصور الشعرية وتنوّع الإدراكات الحسية والقراءات الرمزية التي عليها تقوم أعمال الشعراء ممّن يتمّيزون بخصوبة خيالهم الماديّ. أمّا في «الأرض وأحلام يقظة الراحة»، فيركّز باشلار على الأرض أديماً وعمقاً، لا باعتبارها مسرحاً لأفعالنا الإرادية أو التدخليّة والنشطة كما في كتابه السابق، بل بما هي فضاء للبحث عن استجمام وراحة وحميميّة محتواة ومُطمِّنة كما في كلّ عودة إلى فضاءٍ أموميّ. هنا تعرض مختلف الأماكن والمواد إمكاناتها على الإنسان الباحث، من مرتفعات ومغاور وهاويات وسلالم وأقبية وعلّيّات، إلخ. هكذا تكتمل اللّوحة البانورامية أو الكليّة ويتّسع المتن الشعريّ الإنسانيّ، فإذا بالخيال الماديّ-الحركيّ في توجّهه إلى الأرض مقبوض عليه في الهشاشة والضّعف مثلما في أحلام القوّة والنّفاذ. وبهذا التنوّع الأقصى للمقاربات الظاهراتيّة والنفسانيّة والشعريّة، تُثبت الأرض اختلافها عن العناصر الثلاثة الأخرى (النار والماء والهواء) وتُعرب عن قربها الحميميّ من الإنسان، بما حفّز باشلار على أن يخصّ بحثه فيها بهذين الكتابين.