عباس/حماس: الثنائي المعطل لدحر الاحتلال


آخر تحديث: May 14, 2018, 10:50 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

أسوأ أنواع السياسيين والقادة منهم على وجه الخصوص, هم أولئك الذين لا يرون أبعد من أنوفهم, أو أنهم الذين لا يستشرفون ما هو في الأفق, ولا يقدرون وجهة الأحداث بحيث يتخذون القرار المناسب قبل وقوع الحدث بوقت كاف أو لازم لدرء مخاطره, وأسوأ الأسوأ هم الذين لا يتمتعون بالمهارة الشخصية, وفي الوقت ذاته لا يحيطون أنفسهم بمؤسسات البحث والقراءة وتقدير الموقف, حتى تساعدهم على اتخاذ القرار المناسب .
ويصبح وجود هؤلاء على رأس قيادة شعوبهم, خاصة تلك المحتلة أوطانها, مثل شعبنا الفلسطيني, أمرا معطلا, بل وكابحا لحركة التحرر والاستقلال الوطني, ولعل في الحالة الفلسطينية حيث يتربع على عرش القيادة الفلسطينية, كل من قيادة الرئيس محمود عباس وحركة حماس, ويتحكمان بالشأن الفلسطيني وبقراراته الخارجية والداخلية منذ أكثر من اثني عشر عاما متواصلة, دون أن يتقدم الحال الوطني قيد أنملة على طريق دحر الاحتلال الأسرائيلي, إن كان ذلك المتمثل بالحواجز والاستيطان في القدس والضفة الغربية, أو هذا المتمثل بفرض الحصار المطبق على قطاع غزة . 
وفي تعداد مساويء الحكم الثنائي يمكن تقديم جملة لا حصر لها من المظاهر والأدلة, لا تتوقف عند حدود إخفاقهما معا في تشييد نظام شراكة ديمقراطي بسبب كونهما كلاهما غير ديمقراطيين ولا يقبلان إلا شراكة تابعة وذليلة في أحسن الأحوال, أي ليس شراكة الند للند ولا منطق تداول السلطة والحكم, ولا بعد ذلك, بجر الشعب الفلسطيني إلى أتون الاقتتال الداخلي, ولا لتراشق الحرب الإعلامية والاتهامات والاتهامات المضادة بقمع واعتقال أنصار كل طرف لأنصار الطرف الآخر, ولا عند حد تكميم الأفواه وقمع الحريات العامة والصحفية هنا وهناك, وكل هذا حقيقي وعالق بالطرفين, فليس أحدهما ملاكا والآخر شيطانا, بل كلاهما, ارتكب بحق الآخر وبحق الآخرين الأخطاء والخطايا . 
يمكن هنا التدليل على قصر النظر, وعدم القدرة على الاستشراف السياسي, عبر المقارنة مع ما كان عليه الحال قبل وصولهما المترافق للحكم, فالراحل ياسر عرفات أدرك منذ كامب ديفيد 2000 الكذبة الإسرائيلية المتمثلة بالالتزام بحل أوسلو الانتقالي أو المرحلي ومن ثم الدائم, لذا غادر كامب ديفيد وعاد إلى الوطن ليقود انتفاضة الأقصى, ولينتقل من غزة إلى رام الله , ليس من أجل  الجلوس على مقعد الحكم, ولا لإرساء سلطة الحكم الذاتي, بل من اجل قيادة فصل حركة التحرر الجديد المتمثل بالانتفاضة الثانية, حيث حلت المواجهة مكان التفاوض . 
محمود عباس, منذ عام 2005 حتى عام 2014 ظل متوهما بإمكانية أن تفضي المفاوضات عن حل سياسي دون حتى ضغط ميداني, وكان عليه أن يقود الانتفاضة الثانية وأن يصحح مسارها, لا أن يتمسك بسلطة الحكم الذاتي ويعزز أركانها, خاصة الأمنية منها .
أما حماس فظنت بأن سيطرتها على السلطة وأن فوزها بمقود القيادة بات قاب قوسين أو أدنى, فتمسكت بالانقلاب في غزة, وإذا كان عباس احتاج إلى صدمة ترامب حتى يدرك عبث المفاوضات, فإن حماس كانت بحاجة إلى كل هذا الخراب الذي تلا "الربيع العربي" حتى تفقد حلفاءها الإقليميين, ومن ثم تدرك بأن المقاومة يجب أن تكون شعبية ! 
أخطر ما في ثنائية عباس/حماس ليس في كونها قطعت الطريق على نظام ديمقراطي فلسطيني كان قيد التشكل وحسب, بل  في أنها " تداولت السلطة والحكم" بصورة بائسة, كما هو حال تعدد الزوجات, فبدلا من تداول السلطة بشكل متتابع تداولاها بشكل متوازي, بما احدث انقساما وطنيا سياسيا وجغرافيا, بما جعل من هدف دحر الاحتلال أمرا بعيد المنال . 
وأسوأ الأسوأ هو أن التجاور أو التوازي في الحكم والسلطة بينهما, حل بكل منهما في المكان الخطأ, فحيث ترفع حماس شعار المقاومة, فإن المكان المفضل لممارسة هذا الشعار هو القدس والضفة الغربية حيث هما محتلتان بالكامل وبشكل صريح ومباشر, وحيث يرفع عباس شعار بناء مؤسسات الدولة وإدارة مصالح وأحوال الشعب, كان عليه أن يحكم غزة كسلطة سياسية, فيما تدار أمور الناس في الضفة والقدس من قبل جبهة وطنية . 
ولعل في تصحيح هذه الحالة مدخل لإنهاء الانقسام, أي إذا كان عباس يصر على استلام غزة من الألف إلى الياء, فليكن ولكن بشرط حل السلطة في الضفة الغربية وتشكيل جبهة وطنية متحدة لإدارة المقاومة فيها, وإعلان الدولة المستقلة في غزة, لا أن يتم حكم غزة بأجهزة امن الحكم الذاتي في الضفة . 
يمكن أذا البدء بإعلان حل السلطة في الضفة الغربية, والإبقاء عليها في غزة, وبالتالي إجراء الانتخابات العامة في قطاع غزة, على أن تكون م ت ف هي الموحد للكل الفلسطيني, وليس في ذلك أي تراجع عن وحدة الضفة وغزة, فإذا كانت م ت ف توحد الكل الفلسطيني, فإن هناك شتات وهناك ضفة وقدس محتلة وهناك 48 يتعرضون للتمييز العنصري وهناك غزة محررة .
واقع غزة لم يعد منذ عام 2005 هو نفسه واقع الضفة الغربية, ولا يجوز أن تخضع المنطقتان لنفس القوانين والإجراءات, لذا فإن المطلوب الآن وعلى وقع مسيرة العودة, والإقرار فعليا بموت أوسلو بكل مكوناته, أن تتمتع القيادات الوطنية ببعد النظر وبالرؤية المستقبلية وأن لا تبقى مجرد إدارة سياسية, تدير الشأن العام عبر مجموعة القرارات الإدارية ومن خلال مستشارين ووزراء بيروقراطيين, يظلون أفرادا, في حين أن العالم كله اليوم يدار اليوم , من قبل مؤسسات الدولة التي تستثمر كل ما في البلد من ثروات وكل ما لدى المواطنين من مواهب وكفاءات .