الروزنامة


آخر تحديث: May 13, 2018, 2:50 pm


أحوال البلاد

 

الجميع كان يؤكد أن بعد المحاولة الثالثة جاء الرفض قاطعاً، لم يعد لديه بصيص أمل بعد انعقاد المفاوضات الأسرية الأخيرة، الأمر لم يكن منحصراً في اختيار عروس ضمن قائمة من النساء المرشحات للزواج. وحدها نجحت في اصطياد مشاعره واستهداف قلبه. سحرُها ممتد الأثر، ساري المفعول استشرى في جسده. على الطريقة التقليدية؛ أخبر أمه سيدة المجتمع، التي تتمتع بجمالها وسطوتها البالغة بأن لا بديل من محاولة رابعة. ربما هناك جولة رابحة بعد كل خسارة مؤلمة لكنها اعتادت أن تلغي شخصية الجميع، فهي سيدة القرار وفي عاصفة من اللوم الموجهة إليه، أشارت إلى الروزنامة الجدارية، كي يحضرها. اكتفى بأن لبى رغبتها طائعاً. حينها تذكّر لعبته الطفولية، إذا أقبل يومٌ جديد، توجّه مسرعاً نحو نتيجة الحائط ليمزق ورقة يوم مضى، ويقرأ «حكمة اليوم». أخذ يقرأ عليها: «لا تطرق الباب أكثر من ثلاث مرات». ظنّت أنها أدركت غايتها بعد امتثالة لأوامرها. لم يكن باستطاعته البوح بما يضمره. ودّ لو أن يخبرها بأنه لم يعد في حاجة إلى الوثب عالياً، لالتقاط ورقات الروزنامة وقراءة حكمة بالية. اشتـد عوده وارتفعت قامته. يتردد اسمه في الأوساط الفنية والثقافية. غادرَها، وفي طريقه إلى الحفلة ممسكاً بآلة العزف بين ذراعيه، يبصر بيقين أنها تجلس ضمن الحاضرين في الصفوف الأولى. أدرك أن المواجهة تختصر المسافات، وتحسم العلاقات الملتبسة. قبل صعوده إلــى المسرح أشار إليها، فأقبلَت. أخبرها بما يؤرقه: أعاني صراعاً بين رفضك غير المسبّب وتمردي غير المعلن. أمي التي أرسلتها لتنوب عني حتى في البوح عن مشاعري، أبلغتني بأن الرفض هذه المرة، لن يكون في صالــحي. عزمتُ على أن أصارحك بالأمر، كي لا يتبدد الأمل في الزواج منك بل يتجدد.


قاطعَته في محاولة لتوضيح اللبس: عن أي رفضٍ تتحدَث؟ أنا أداوم على حضور حفلاتك منذ زمن بعيد. يروقني إحساسُك المتدفق، حينما تكتب بلغة الموسيقى ما تجسد به سحر العناق، وأنــت تحيط بذراعيك الكمان وتلاعب بأصاعبك الوتر، وحدك تعزف الألحان على جسد أبكم لامرأة تناجيك في صمت. استغرقتُ في قراءة تفاصيلك. كم ملعقة سكر في كأس الشاي؟ أو ما نوع عطرك المفضل؟ وأتساءل هل فتنتُ بك؟ تمضي ساعات أمكث فيها بجوار حائط قديم أسفل منزلك لأرسم وجهك بالغرافيتي، أثناء ذلك تطل سيدة من شرفتها لتسب وتلعن. عرفتُ بعد ذلك أنها أمك. كنتُ قد أنهيتُ أولى محاولاتي البائسة، لكي أسترعي انتباهك.

أمسكَ يدها وجذبها إليه برفق قائلاً: أحببتك جداً وجعلتُ المحاولة الرابعة جسر الوصول إليكِ، ولن أتراجع خطوة إلى وراء.