المجلات الأكاديمية وتوليد المعرفة بين الورقي والإلكتروني

المجلات الأكاديمية وتوليد المعرفة بين الورقي والإلكتروني


آخر تحديث: May 13, 2018, 2:44 pm


أحوال البلاد

 

هناك ثلاث محطات مهمة شكلت نقلة وثورة في وسائل حمل المعرفة وتوليدها كان أولها اختراع المطبعة في ألمانيا في القرن الخامس عشر الأمر الذي سهّل وعمّم نقل المعرفة عبر الكتب ليقرأه عدد أكبر، ومنذ ذلك الوقت لم تنته الطباعة وما زالت موجودة بعد مرور ستة قرون. وتمثلت المحطة الثانية في ظهور مهنة الصحافة وتطورها في دول مثل ألمانيا وإنكلترا وانتشارها بعد ذلك في بقية المجتمعات ما خلق بيئة ومناخاً جديدين من التفاعل البشري عبر وسيلة جديدة في نقل الأخبار والمعلومات بمضمون واحد يُعمّم على عدد أكبر من البشر في الوقت نفسه. ومن يومها لم تنته المهنة بل كان لها فضل كبير في عمليات التنوير والتحديث في مجتمعات كثيرة وساعدت على توليد المعرفة ونشر الثقافة في المجتمع فيما يشبه بالتغذية العكسية الإيجابية. أما المحطة الأخيرة فكمنت في اختراع الإنترنت منذ سنوات لا تتعدى العشرين سنة والثورة التي ارتبطت به بالتطبيقات الكثيرة التي جاء بها بأن اختصر وجمع صوراً مختلفة لتطورات تكنولوجية ظل البشر يستخدمون لها وسائل مختلفة سواء كانت صحافة أم راديو أم تلفزيون أم غيرها. فأصبح الإنترنت جامع لكل هذه التطورات في جلبابه للدرجة أن بات الجميع قريبين من بعضهم بعضا.. وما يميز هذه المحطات الثلاث المهمة أنه توجد بينها أيضا، مع اختلاف الزمن الذي ظهرت فيه، سمات مشتركة أولها أن التطور اللاحق لم يلغ السابق بل كان هناك إثراء متبادل ما بين الجانبين. فالطباعة تطورت مثلا بشكل أفضل مع ظهور الصحف التي بدورها كان لا يمكن أن تكون موجودة إذا لم تخترع الطابعة. وفي المنطق نفسه ساعد ظهور الإنترنت على توسيع دائرة الصحافة وأصبح لها نوافذ جديدة يُمكّن الكثيرون من متابعتها عن طريق مواقعه . والثانية أن هذه المحطات الثلاث كانت عوامل تطور في وسائل تخدم على المضمون وليس العكس، بمعنى أن المضمون تطور وأصبح أعمق وانتشر مع اختراع الطباعة والصحف ثم مع ظهور الإنترنت.


والسؤال مع وجود هذه الإيجابيات، هل يوجد تأثير سلبي لهذه التطورات في المضمون؟ التأثير السلبي يظهر هنا في حال عدم التفريق ما بين الوسيلة والمضمون، فيتم الخلط بالتخديم على الوسيلة سواء كانت صحافة أم إنترنت مع إهمال المحتوى. والمضمون هنا قد يتعدى طباعة الكتاب أو الجريدة إلى مطبوعات أكاديمية وعلمية، وهو أمر معتاد ومُقدّس في المعاهد والجامعات الغربية، ولكن ماذا عن المجتمعات العربية التي جاء الاهتمام بالبحث العلمي فيها والنشر في دوريات علمية متأخراً في النصف الثاني من القرن العشرين. وهو ما أثّر بطبيعة الحال على كم ما هو موجود من هذه الإصدارات العلمية الدورية التي تصدر من الجامعات ومراكز الأبحاث. إضافة إلى أن غياب الرؤية وضعف الدعم المادي افقدا الكثير من هذه المطبوعات مع قلتها، الاستمرار، فتوقف بعضها عن الصدور في شكل منتظم. ففي مجال العلوم السياسية استطاع عدد من المجلات أن يحافظ على الصدور في شكل دوري من دون انقطاع بفضل الدعم الذي تأخذه من المؤسسات التي تصدر عنها. أبرز الأمثلة على ذلك مجلة «السياسة الدولية» التي صدر العدد الأول منها عام 1965 وما زالت تصدر حتى اليوم ومجلة «الديموقراطية»، عن مؤسسة «الأهرام» في مصر. وعربياً هناك مجلة «المستقبل العربي» التي تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت ومجلة «عالم الفكر» التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون في الكويت وغيرها من مطبوعات تأخذ الشكل الأكاديمي. والسؤال: هل ظهور الإنترنت يساعد على انتشار المضمون الأكاديمي؟

الإجابة تعتمد على فهم ما هي الإنترنت بالضبط، هل هي وسيلة لنقل المعرفة أم هي غاية وهدف في حد ذاته؟ وهنا يحدث اللبس في مجال النشر بعد أن سحبت الإنترنت القراء، ليس طبعا للقراءة المتعمقة بقدر ما للفرجة وقراءة الحروف الأولى من العناوين، وبالتالي تراجع عدد ما يطبع من الصحف الورقية، فحدث الخلط بين الوسيلة والهدف، وأصبح ينظر إلى مهنة كالصحافة كأنها موقع إلكتروني فقط، متناسين أنها، مهما تطورت الإنترنت، هي بمثابة واجهة لعرض المضمون، الذي يحتاج إلى جهد مضاعف ليخرج في شكل أفضل عما كان موجوداً قبل عصر الإنترنت. فإذا كان هذا على مستوى الصحافة عموماً، فماذا على مستوى المجلات الأكاديمية التي هي بالأساس مولّدة للمعرفة والتي يفترض أن تكون وعاء للتراكم والاستمرار. ونظراً الى الضغوط المادية ولغياب فهم الطبيعة الخاصة لهذه المطبوعات الأكاديمية والى أهمية دورها المعرفي ينادي فريق بتحويلها إلى مواقع إلكترونية، متناسين أن بناء المضمون في هذه الإصدارات هو الأساس ويحتاج إلى جهد كبير في تكوينه وإخراجه في الشكل الذي يفيد في الثقافة والمعرفة. وبالتالي تسطيح هذه المطبوعات من طريق خلق مواقع إلكترونية موازية ينشر فيها ما هو غير عميق بمثابة ضربة موجهة للهدف الأساسي لهذه الإصدارات من توليد المعرفة وتنمية البحث العلمي أياً كانت التكلفة، فالعائد هنا لا يجب أن يقاس بمعايير المكسب والخسارة بمقدار ما تتركه من تأثيرات إيجابية في حقل المعرفة والثقافة. فالإنترنت هنا ما هي إلا وسيلة من طريقها يعرض المضمون والمحتوي الأكاديمي للمطبوعة. وعلى مقدار الإبداع والقدرة على الاختيار في الموضوعات وطريقة العرض ستكتسب هذه الإصدارات النخبوية قراء جدداً والعكس قد يحدث.