حراك الرواتب


آخر تحديث: May 12, 2018, 12:12 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

وكأن حراك مواطني قطاع غزة الخاص بمسيرة العودة, لا يكفي, على الأقل خلال هذه الأيام والتي تخطط لها حماس أن لا تتوقف عند حدود منتصف ليلة الرابع عشر/الخامس عشر من أيار الحالي, بل أن تتعداها إلى تفكيك الحصار المضروب على القطاع منذ أحد عشر عاما مضت, وأدبيات حماس الإعلامية/السياسية تسمي فعلا الحراك الشعبي الذي بدأ منذ يوم الأرض الثلاثين من آذار الماضي بمسيرة العودة وكسر الحصار, حتى يفتح ضغط الحكومة المركزية في رام الله الباب إلى حراك داخلي أضافي, كانت أعلنت عنه السلطة ومن خلال أعلى مستوى فيها, إلى أن الضغط يستهدف دفع المواطنين للخروج إلى الشارع ضد حماس . 
السلطة في رام الله لا تريد مصالحة حل وسط, ولا حلا داخليا يفضي إلى شراكة ليس في "غنائم أو امتيازات السلطة البائسة" وحسب, بل وفي وظيفتها ودورها, ذلك أن الشراكة مع حماس ستعرقل في حقيقة الأمر أداء السلطة لوظيفة تشبه وظيفتها في الضفة الغربية, لذا فأنها تسعى إلى "استخدام " الشعب في قطاع غزة, لتحقيق مآربها السياسية/السلطوية, ولا ضير لديها أن تستخدم من أجل تحقيق هذا المأرب سلاح الراتب والخدمات العامة, أي أن تقبض على الناس من خلال أمعائهم, ولا تفكر للحظة بأن من يريد السلطة عليه أن يتقدم للسيطرة عليها, وكما أخذت منه السلطة في غزة بالقوة, فليسترجعها بالقوة, أما حماس وبعد أن أشبعت الدنيا "مراجل القسام وصورايخه من قبل وأنفاقه من بعد", ها هي تؤمن فجأة بالمقاومة الشعبية/السلمية, وتؤمن بها فقط في قطاع غزة, وليس في الضفة الغربية, ولا مشكلة لديها في أن يسقط الشهداء من المواطنين من أجل "كسر الحصار" وفق المسار الذي تريده, أي خارج مسار مصالحة تقدم فيها التنازل للطرف الفلسطيني الداخلي .
باختصار إن كلا من حكومة السلطة في رام الله وسلطة حماس في غزة, تقوم "باستخدام المواطنين" من اجل تحقيق أهدافها وتعزيز "سلطتها الخاصة" ولو كانت حماس وفتح/عباس لديها بعد ديمقراطي شعبي, لقامت بتوسيع ثوب سلطتها على الأقل لتشمل الآخرين, ليس من القوى والفصائل, بل من ممثلي الشعب من اتحادات ونقابات, فضلا عن التفكير بإجراء الانتخابات العامة . 
فتح/عباس قدمت النموذج البائس في الشراكة طوال عشر سنوات, وأخيرا حين عقدت المجلس الوطني قبل أيام, دون مشاركة قوى تمثل نصف الثقل الوطني, أي مشاركة تحت القرار المتفرد بل والشخصي, وحماس لم تقدم بالمطلق ما يوحي بأنها على استعداد لإشراك أحد ولو بنسبة واحد بالمائة, وإلا حتى في لجنتها الإدارية وحكوماتها السابقة أشركت أحدا, بل ويمكنها الآن أن تقوم بجهد جدي للتقدم بإدارة غزة  عبر إدارة جماعية, بعد عقد مؤتمر شعبي أو على الأقل من خلال إجراء انتخابات نقابية ومحلية لكل المؤسسات والاتحادات والبلديات, وأن تعرض أن يتم إنهاء ملف الانقسام من خلال الحوار الجماعي وليس الثنائي . 
المهم الآن أن هناك وعيا شعبيا يتطور, بعد أن أيقن طرفا الانقسام الداخلي باستحالة أن يحققا معا المصالحة وهما على هذه الحالة من الأنانية الحزبية, ولعل وقفة أمس الاحتجاجية على خلفية عدم صرف رواتب موظفي قطاع غزة, في ظل المراوغة وتدوير كرة قرار القطع بين رئيس السلطة والحكومة, وما سيتبعه غدا من مسيرة في قلب مدينة غزة, ما يشير إلى أن الشعب بدأ يدرك بأن المناشدات لم تعد تجديه نفعا, وأن حقه يجب أن ينتزعه بنفسه .
ولعل الحكمة التي تقول بأنه لن يكون بمقدورك أن تنتزع حقك من عدوك ما لم تنتزعه من صديقك وحتى من أخيك, ما يؤكد بأن كلا نموذجي الحكم الذاتي قد استنفذ نفسه, وبات معرقلا, بل ومكبلا لمسيرة الشعب الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال . 
ليس هذا وحسب, بل إن إنهاء ملف الانقسام, يبدو وللأسف بأنه بات يتطلب إسقاط كلا السلطتين وليس فقط تحقيقه مع انحسار الاحتلال الأسرائيلي, أي أنه باتت مع مرور الوقت, تتأكد القناعة باستحالة الفصل بين الكفاح الخارجي ضد الاحتلال الأسرائيلي والكفاح الداخلي ضد نزعات التسلط والتفرد وبذرة الديكتاتورية والحكم الأمني والعسكري .
فالشعب في مرحلة التحرر لابد أن يرسي لبنات الحكم الديمقراطي الذي سيحل بدلا عن الاحتلال, وإلا فإن حكما عسكريا أو أمنيا ديكتاتوريا لن يفشل فقط في دحر الاحتلال, بل إنه سيكون بديلا سيئا عن إن لم يكن أسوأ من الاحتلال نفسه .
هذا هو طريق الحراك الداخلي, وحيث كانت غزة دائما شرارة إطلاق الثورات الفلسطينية, فإنها هذه المرة أيضا, ستشق بحراكها الشعبي المزدوج هذا الطريق, طريق الدمج بين الكفاح الخارجي ضد الاحتلال والكفاح الداخلي ضد الحكم الداخلي العسكري والأمني والمتفرد هنا وهناك .
إن الحراك من أجل الرواتب والحراك عبر مسيرة العودة, يدرك في أعماقه بأن عصر الشعارات المطلقة قد ولى, وبأن الكفاح المطلبي هو كفاح لا يقل أهمية عن الكفاح الوطني, والكفاح ضد العجز والضعف والتسيب الداخلي لا يقل أهمية عن الكفاح ضد العدو الخارجي .
بهذه المناسبة لا يمكن أن تتنصل حماس من المسؤولية عن التسبب في حصار غزة, بإغلاقها كل الأبواب التي رأت فيها تراجعا عن طريقها الفردي, كذلك فإن حكومة ورئاسة السلطة لا يمكنها أن تعفي نفسها عن التسبب في "سقوط غزة بيد حماس" والتسبب في الانقسام, وإذا كانت السلطة تريد استرجاع غزة تحت قبضتها وحدها فعليها أن تسترجعها بقوتها الأمنية, أما إذا كانت تريد من شعب غزة أن يحررها من سلطة حماس فإنه إن فعل فإنما ليخضعها لسلطة الشعب وليس لسلطتها, كذلك إذا أرادت حماس من الشعب أن يكسر الحصار عن غزة, فإنه إن فعل فمن أجل أن يكون كسر الحصار بوابة إرساء سلطة الشعب وليس لتعزيز سلطة حماس وتحريرها من ضائقة الحصار الخاصة بها . أي أن الشعب لن يقوم بدور "المستخدم السياسي" عند سلطتين مستبدتين, بل حين يقوم بالثورة فمن أجل أن يتحرر من الاحتلال الأسرائيلي, ومن كل مظاهر الاستبداد السلطوي الداخلي .