الحلم الفلسطيني كابوس لإسرائيل

الحلم الفلسطيني كابوس لإسرائيل


آخر تحديث: May 7, 2018, 11:06 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

ليس هناك لحظة فارقة تمثل الشيء ونقيضه كما هي لحظة منتصف ليلة الخامس عشر من أيار من كل عام تلا العام 1948, إلى أن يستوي ميزان العدالة بين البشر, خاصة في هذه المنطقة المسماة بالشرق الأوسط من العالم, فحيث هي تلك اللحظة تعلن بدء عصر النكبة بالنسبة للشعب الفلسطيني, تمثل بالنسبة "للدولة النقيضة واللقيطة" لحظة "الاستقلال", ولا يدرك حجم أو مضمون هذه المفارقة, إلا من يعيش هنا, ويراقب جانبي المشهد على الحد الفاصل, إن كان ذلك المسمى بجدار الفصل العنصري بين الضفة الغربية و"إسرائيل" أو تلك الأسلاك الشائكة التي تفصل قطاع غزة من حدودها الشرقية والشمالية عن تلك "الدولة" التي زرعت على غير أرضها وفي غير مناخها والتي تسمى "إسرائيل" . 
وعلى جانبي المفارقة يتحدد كنه ومضمون البشر في هذا العالم, فالذين "يحتفون باستقلال إسرائيل" إنما هم بشر منحازون للشر والقهر والظلم, منحازون لأغنياء العالم ضد فقرائه, لحكامه ضد شعوبه, ممثلو بعض الدول التي تتمتع بحق الفيتو في مجلس الأمن, أما من يتعاطفون مع الشعب الفلسطيني فهم أغلبية سكان العالم, ممثلي الدول في الجمعية العمومية للأمم المتحدة , إنهم الشعوب مقابل الدول والحكومات .
من ينحازون لإسرائيل هم من لا يقيمون وزنا للعدالة الدولية, ولا لمنطق المساواة بين البشر, هم من لا يهتمون بتطبيق القرارات الدولية, ومنها قرار الأمم المتحدة الاعتراف بإسرائيل عضوا فيها والذي جاء مشروطا باعترافها بدولة فلسطين وبحق عودة الفلسطينيين إلى وطنهم, ومن يتعاطفون مع فلسطين يدركون بأن عالما تحكمه الولايات المتحدة, دولة الفاتحين الأوروبيين على أنقاض الهنود الحمر, والدولة التي اضطهدت لقرون السود على أرضها, واستعبدتهم ردحا من الزمن, وخاصة في ظل ولاية المولع بالمصارعة الأمريكية الحرة, وطاقم سفارته المغرم باليمين الأسرائيلي, إنما هو عالم لابد أن يتغير, لابد لشعوب الكرة الأرضية أن تثور على التحكم الأمريكي الاستبدادي بالعالم, والذي يطيل من عمر الظلم والاستبداد والقهر, ويبقي على آخر وأسوأ احتلال في العالم . 
ولأنه في الواقع توجد "دولة إسرائيل" وفي الحلم والذاكرة تحلّق صورة فلسطين المحررة فوق رؤوس وفي أرواح وقلوب الشباب الفلسطيني, فإن المقابلة بين الواقع والحلم على هذه الأرض, التي كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين_كما قال درويش يوما_ إنما هي بمثابة المقارنة بين الماضي أو الحاضر والمستقبل, بين "دولة زائلة دون ريب أو شك" ودولة قادمة وآتية دون أدنى ريب أو شك, وبقدر ما تذوي وتتلاشى إسرائيل بقدر ما تتضح معالم فلسطين, وبقدر ما تذبل إسرائيل, بقدر ما تتفتح وتزهر فلسطين .
وفلسطين كانت أولا, وإسرائيل جاءت تاليا, كطاريء, أو كحادث عرضي, كعابر سبيل ليس أكثر, لذا فان الإسرائيليين محكومون بالحسابات ومسكونون بالماضي, باللاهوت والدجل, فيما الفلسطينيون مسكونون بذاكرة حية وطازجة وبحلم وردي جميل . 
يتطلع الإسرائيليون لإدامة الحاضر ولإبقاء نظام الاستبداد والقهر العالمي, فيما الفلسطينيون يتطلعون لعالم أجمل, أكثر عدالة تسوده قيمة المساواة الإنسانية ولا مكان فيه للقهر والظلم والفارق الاجتماعي أو للتميز العنصري على أساس الدين أو الجنس أو القومية . 
وكما لو كان الشباب الفلسطيني يتمتع بروح الطفولة حيث ما زال يحلم بإطلاق الطائرات الورقية, يحلم بالحياة ما أستطاع إليها سبيلا, ولأننا نحن الفقراء عادة ما كنا نقوم بصنع طائراتنا الورقية بأيدينا, ثم نذهب بها إلى شاطيء بحر غزة, لنطلقها وكأننا نخاطب عبرها العالم الخارجي كله, يذهب اليوم  الشبان إلى السياج الذي هو عنوان حصارهم لإطلاق طائراتهم الورقية .
ومنذ أعوام اعتدنا على أن نطلق طائراتنا الورقية وهي تحمل أشواقنا إلى مسقط رأسنا, والى جذرنا حيث ولد وعاش أجدادنا, في قرانا ومدنا المحتلة منذ عام 1948, نكتب عليها عناوين تلك القرى, كما لو كانت حماما زاجلا, ثم نرسلها .
لكن إسرائيل التي تمتلك مقابل طائراتنا الورقية طائرات الفانتوم, تضيق ذرعا بأحلامنا, التي تتمنع على كل ما تمتلكه من عتاد حربي, ومقابل طائراتنا الورقية ترسل طائراتها المتجسسة, محملة بالكاميرات, فنسقطها, وتطلق هي "قبة حديدية" في مواجهة طائرات أحلامنا .
ست جمع وقبل جمعتين فقط من الجمعة الموعودة, الملتصقة بلحظة المفارقة في ذكراها السبعين, ترتبك إسرائيل بكل جبروتها العسكري في مواجهة الطائرات الورقية, فيظهر من يقترح اعتراضها بالحوامات التي تقوم بتقطيع الخيوط التي تربطها بأصابع التحكم الفتية على الأرض, وهناك من يقترح "اختراع" أجهزة تكنولوجيا خاصة, وإن كان ذلك يحتاج أسبوعين للحصول على نتائج, ربما تكون اللحظة قد أزفت, وحدثت المواجهة في ليلة التضاد التاريخي .
الشيء الذي لا تدركه إسرائيل بعد سبعين عاما من وجودها هنا على أرضنا وفوق صدرونا, هو قدرة الشعب الفلسطيني الأعجازية على الإبداع, ففي كل فصل من فصول الصراع التاريخي, يبتدع أداة أو شكلا كفاحيا, خاصة حين تقوم فصول المواجهة على أساس المقاومة الشعبية, ففي الانتفاضة الأولى ابتدع المقلاع  والحجر, وفي هبة الأقصى ابتدع الطعن بالسكين والدهس بالسيارات ثم المقاومة بإقامة الصلاة على مداخل الحرم, وها هو الآن يبتدع المقاومة بالطائرات الورقية, واستخدام إحراق الكاوتشوك لتشويش الرؤية على قناصة الاحتلال . 
أما الشيء الذي تدركه إسرائيل جيدا فهو أنها في مواجهة الجيوش ومجموعات النخب العسكرية مهما تمكنت من أدوات القوة العسكرية فأنه يكون في مقدورها أن تهزمها, أما في مواجهة المقاومة الشعبية فإن إسرائيل مهزومة بشكل مؤكد, وحدث هذا لكل جيوش الاحتلال في مواجهة حروب العصابات, وحدث لإسرائيل في مواجهة انتفاضة العام 1987, وستحدق بها الهزيمة المؤكدة والنهائية إن لم يكن اليوم فغدا, حين يطلق الشعب الفلسطيني ليس هبة ولا انتفاضة شعبية وحسب, بل حين يطلق ثورته الشعبية الشاملة .