مجلس وطني من أهل الكهف !


آخر تحديث: May 4, 2018, 3:07 am


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

أن ينعقد المجلس الوطني بعد اثنين وعشرين عاما, في جلسة عادية, أمر يجب أن يسجل في موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية, ولو كانت م ت ف محكومة منذ أن تأسست في عام 1964, أو منذ أن تولت قيادتها فصائل الثورة الفلسطينية عام 1969, بأي بعد ديمقراطي, لكان الحال سرياليا بكل معنى الكلمة, فليس هناك برلمان في الدنيا يمر عليه اثنان وعشرون عاما, ويكون ما يزال صالحا للعمل . 
أول شيء كان يجب فعله, هو أن يتم تشكيل مجلس وطني جديد, وليس عقد جلسة عادية لمجلس متوفي بفعل الشيخوخة وانتهاء الصلاحية, وكان بالطبع هذا يوجب التوافق الوطني أولا, وثانيا إجراء انتخابات للمجلس التشريعي وللاتحادات الشعبية والنقابات العامة, وربما حتى للفصائل, التي بعضها نسي شيئا اسمه انتخابات داخلية . 
وثانيا ما كان يمكن لشخص أو لعصابة أن تتلاعب بعضوية المجلس التي انسلت من ثقوب الثوب البالي للمجلس, حيث لا أحد يعرف بالضبط عدد العضوية, بعد مرور كل هذه السنين, وبعد أن توفي من توفي وخرج من خرج, وهاجر من هاجر, وتمرد من تمرد, وكانت بالتأكيد ستقوم بالمهمة لجنة أو حتى عدة لجان, متوافق عليها وطنيا وشعبيا, وفق معايير محددة لا مجال فيها أو من خلالها للتلاعب بالعضوية أو التزوير, بما يحقق قدرا من الشفافية  . 
للتدليل على إشكالية هذه النقطة, نشير إلى أن آخر إحصائية أعدت عشية عقد المجلس ونشرت في العشرين من نيسان الماضي أشارت إلى أن عدد أعضاء المجلس بلغ 765، بقي منهم على قيد الحياة 691, أي توفي 74, نحو 10% من العضوية, وأن النصاب القانوني التنظيمي يجب أن يبلغ ثلثي العضوية, أي أن المطلوب حضور 460 عضوا بعد إسقاط عضوية المتوفين, أو 510, على أساس ثلثي العدد السابق, لكن عباس بخطابه الافتتاحي قال بأن النصاب كان 498, بما يعني أنه تم اعتبار عضوية المجلس 747, ولا أحد طبعا يمكنه أن يقف عند حقيقة ما جرى من إسقاط عضويات منها أعضاء تنفيذية ( أبو اللطف _فاروق القدومي, ياسر عبد ربه, وعلي أسحق), وإضافة عضويات جديدة كان بعضها من أشقاء وأقارب عرّاب عقد المجلس, عزام الأحمد, سببا في الخلاف الحاد بينه وبين محمود العالول . 
وبالـتأكيد أن ينعقد المجلس فهذا يوحي بأنه ما زال على قيد الحياة وبأنه ما زال صالحا للعمل, وفي السياق يكون شخص مثل محمود عباس عمره ثلاثة وثمانون عاما مرشحا لرئاسة م ت ف مجددا, وكأننا أمام اثنين وعشرين عاما جديدة, يظل فيها السيد الرئيس رئيسا إلى أن يبلغ من العمر مائة وخمس سنين ! 
وبمجلس من هذا الشكل يصبح رجل مثل عزام الأحمد, ومعظم أعضاء مركزية فتح/عباس, شبانا صغارا, رغم أنهم قد اقتربوا من السبعين عاما, ليس هذا وحسب, بل وقد جربهم الشعب عقودا طويلة, فهم في مواقع المسؤولية منذ أربعين عاما, وأجددهم من له ربع قرن, في السلطة من أمثال صائب عريقات ! 
شاهت الوجوه وشاخت, ولعمري بأن هذه أسهل وصفة للهزيمة ولضياع ريح الشعب الفلسطيني, حيث أن ذرة منطق تقول, بأن شيوخ الانتفاضة الأولى الذين مضى على انخراطهم في المواجهة مع الاحتلال ثلاثون عاما, بما جعل منهم جيلا خمسينيا, هم من يمكن توقع وجودهم في مجلس حكماء فلسطين, هذا على اعتبار أن المجلس الوطني ل م ت ف هو برلمان دولة الشتات, لكن على ما يبدو بأن برلمان م ت ف فعلا يفرض نفسه على موسوعة "غينيس", من حيث أنه ليس فقط عندنا في العالم العربي الحكام من ملوك ورؤساء وأمراء وأمناء عامين لفصائل, من يلتصقون بمقاعد الحكم للأبد ولحين الأجل, ولا يغادرون إلا بفعل الموت الطبيعي, بعامل الشيخوخة, بل أيضا مجالس الحكم بكامل عددها وتعدداها, والمجلس الوطني ل م ت ف خير دليل على ما نقول . 
المهم أن المجلس أنعقد دون التوافق الوطني, ودون شفافية التحقق من العضوية, ومن ثم من تحقق النصاب القانوني / التنظيمي, وقد كان منظمو احتفالية عقده قد أعلنوا_سلفا_ أن النصاب متحقق, نظرا إلى أن ضخامة العضوية التي تتجاوز السبعمائة تجعل من إمكانية التلاعب أمرا سهلا على محترفي التلاعب من "قادة" لم يظهروا في مرحلة الكفاح المسلح, وفي عصر التضحيات, وظهروا في عصر سلطة الحكم الذاتي, حيث أكل لحم الميت, أو مرحلة الإثراء والتمتع بالامتيازات الخاصة على حساب المصير الوطني . 
المعضلة تكمن في أن يتم أحياء العظام وهي رميم, ونحن على أعتاب مرحلة صراع مريرة مع العدو الأسرائيلي المتحالف مع إدارة أمريكية صارت هي أيضا عدوا, مرحلة صراع كسر عظم, باتت أيام قليلة فقط تفصلنا عن فتح بواباتها في منتصف أيار الجاري .
مرحلة الصراع القادمة, تحتاج برنامج وطني مختلف وجديد, يتضمن عدة بنود, تحدد إطار الهدف وهو حل الدولة الواحدة بدلا من حل الدولتين, أي لا تجتر الماضي وتتجاوز هدف إقامة الدولة المستقلة على حدود 67 وحق العودة, وتنفيذ برنامج حل الدولة الواحدة يحتاج م ت ف من طراز مختلف, لا تضم ممثلي الفصائل وفلسطيني ال 67 من أعضاء التشريعي والسلطة وحسب, بل كل الفلسطينيين في الداخل والخارج والشتات وحتى مناطق ال48 , بشكل ما . 
أي أن من يريد الدخول في صراع حقيقي كان عليه أن لا يجدد ما هو قديم, الذي تشكل على أساس تحقيق هدف حل الدولتين, وهدف إقامة دولة ال67,  بل أن يفتح الباب لتشكيل الجديد من المجلس الوطني للبرنامج الوطني وكل أدوات تنفيذه لبناء هيكل م ت ف من أجل تحقيق هدف إقامة الدولة الواحدة, ولعل هذا يبقى هو البند الوطني المطروح على طاولة الكفاح الوطني فورا ودون تأخير, والمدعو له الأحد عشر مليون فلسطيني أينما وجدوا وكانوا وأقاموا, وليس فقط الفصائل أو نخبة العمل السياسي .