في غزة كل يقاوم على طريقته بسطات تنتشر علي طول حدود غزة


آخر تحديث: May 1, 2018, 4:25 am


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

 

تقرير محمد عابد

" كم هي صعبة لقمة العيش " كلمات تختصر معاناة البسطاء على "رصيف الفقر"..كلمات تحمل معها واقعاً مؤلماً لفئة بقيت بعيدة عن الأنظار، وسلّمت نفسها مجبرة لقسوة الحياة، ومشقة البحث عن "مصروف يومي" تسد حاجتها، وتكفيها مذلة السؤال, تلك الفئة المعدمة التي تخرج من بيوتها المتهالكة كل صباح، وهي تحمل جراحها وآهاتها بحثاً عن "أي شيء" يشعرها أنها باقية على قيد الحياة، وأنها ماضية لتعود، وبعيدة لتقترب من الفقر أخاً وصديقاً يواسيها بآلامه، وقسوته، وحرمانه، ثم تبقى مع كل ذلك تنتظر "لحظة التغيير" التي غابت عن الوجود، والوجوه، والظهور، وكأن الزمن يدور بعقارب صامتة، ومحزنة، وربما مخجلة, وأن العمر يمضي بهم وسط رصيف يواسي فيه كل واحد منهم الآخر، ويبكيهم لحظة ما يغيب أحدهم عن مكانه مودعاً حياته دون أن ينصفه زمن المصالح والأنانية.

أولئك الباعة المتجولين الذين يخوضون معركة البحث عن لقمة العيش, وفي بعض الأحيان ينسون لماذا يعيشوا ؟!

"أحوال البلد" تجولت بين عدد من البسطات التي أقيمت علي الشريط الحدودي شرقي قطاع غزة منذ بدء مسيرات العودة , وعاشت أحوال البلد من أصحاب تلك البسطات لحظات صعبة من حياتهم، والتقت بهم عن قرب، ونقلت معاناتهم، وصراعهم مع الحياة؛ من أجل توفير لقمة عيش كريمة.

الشاب أحمد العبيد أحد الباعة المتجولين , الذي يقف أمام عربه صغيرة لبيع المأكولات الشعبية , علي الحدود في منطقة البريج  يقول :" منذ انطلاق مسيرات العودة أصبح هذا المكان ,مكانا ترفيها للمواطنين , وفرصة جيدة للحصول على مصدر رزق بعد اشتداد الحصار وأزمة الرواتب , وغياب الحديث عن موضوع المصالحة وحالة الانهيار الواضحة لاقتصاد غزة  "

ويضيف أحمد :"مع بدء مسيرات العودة , وتزايد أعداد المواطنين المشاركين في تلك المسيرات بشكل يومي ,قررت إنشاء تلك العربة الصغيرة , علي أمل أن تساهم في مساعدتي  على تلبية متطلبات العائلة الأساسية بعد أن فقدت عملي خلال الفترة الماضية في مجال البناء " .

ويتابع أحمد :" الواحد علي كل الأحوال ميت , ولو في فم الأسد باجري وراء لقمة العيش ,بهذه الكلمات عبر أحمد العبيد عن جرأته وإصراره علي خوض معركة البحث عن الحياة في قلب الموت ,أنا أعرف بأن المكان خطر، وقد تعرضت لأكثر من مرة لقنابل الغاز المسيل للدموع، وأعلم جيدا بأني أعرض حياتي للخطر، ولكن ما باليد حيلة، لقمة العيش وقوت عائلتي يحتاج مني التضحية كي أغنيهم عن سؤال الناس ".

وبين العبيد انه يحقق مكسبا ماديا من البيع على الحدود، فالعديد من الشباب يشترون منه نظرا لقلة الباعة في تلك المناطق، ويكسب نقودا يسد بها رمق أطفاله الصغار ويلبي حاجة منزله.

المقعد حبيب النجار لم تمنعه الإعاقة من ابتكار مشروعا خاصا به , لدرجة أنه أصبح جزء من خزاعة تلك المنطقة الحدودية الواقعة جنوب القطاع في محافظة خانيونس  فهو يبتسم قائلا :"إذا تغيبت يوما عن الشباب هنا فإنهم يتصلوا بي كي آتي , ولا أتأخر عنهم، فقد أصبحت جزءًا من ملامح المكان ".

وبلغة المزاح يقول حبيب :" سيجارة والوداع يا شباب " بهذه الجملة يحاول حبيب كسب شيئا قليلا من المال  ليساعده في أن يعيل  أسرته وينتصر على إعاقته .

يتحدث النجار لمراسل أحوال البلد : " آتي بشكل يومي إلي خزاعة فهي قريبه من منزلي , أبيع  السجائر في المنطقة الشرقية، فأكسب رزقي وأصرف على عائلتي"،موضحا أن الوضع المعيشي في قطاع غزة صعب، ولا عمل آخر له يعتاش منه في ظل قله فرص العمل ، مبينا أن العوز هو من يدفعه للمغامرة بحياته والبيع في المناطق الحدودية، نظرا للحشود التي تأتي في المواجهات، فيبيع لهم ويحقق  ربحا جيدا هناك.

وأشار إلى انه لا يخاف الغاز المسيل للدموع أو الإصابة، لأنه وبحسب قوله " الأعمار بيد الله، والرزق يحتاج إلى تعب ومشقة ،ونحن فقراء ولا معيل لنا سوى عملنا البسيط في بيع السجائر".

منذ بدء مسيرات العودة وإبراهيم العايدي من شمال القطاع ,يرابط أمام عربة يبيع عليها الشاي والقهوة ليلتقط القليل من الشواكل لتساعده على الاستمرار في الحياة ، يقول إبراهيم :" كان عملي قبل الحصار جيداً للغاية ويحقق الاستقرار المادي لي وعائلتي لكن بعد ما توقفت المنجزة التي اعمل بها ,اضطرت للبحث عن عمل أخر خاصة و أنا أب لثلاث أطفال وهم بحاجة إلى الحليب والمصاريف اليومية" .

ويتابع بعد بحث مضني عن عمل قررت الوقوف على المفترقات علي هذه العربة أتنقل من مكان إلي مكان أخر, أقوم بعمل المشروبات الساخنة كالشاي والقهوة وغيرها, تارة أبيع للسائقين , وأحيانا لطلبة الجامعات , وأحيانا في الجندي المجهول , وبين وقت لآخر أذهب إلي الميناء , ولكن منذ بدء مسيرات العودة ومشاهدتي للأعداد الهائلة التي تتوافد هنا , قررت نقل العربة إلى الحدود الشرقية, لان هذه المنطقة مليئة بالمواطنين وأنا دائما أبحث عن الناس والزحمة ، واعتبر إبراهيم أن الباعة المتجولين الذين يأتون إلى الحدود للبيع هم أبطال ولا يخشون الموت لتوفير بعض المال، معتبرين أنفسهم مشاركين بالانتفاضة من خلال تزويد الشباب بالأكل والشرب.

ووضح إبراهيم أن الظروف الاقتصادية والوضع المعيشي لغزة  للأسف أجبرتهم على الركض وراء لقمة عيشهم أينما كانت.


صافرات الإنذار تدوي في مدينة عسقلان