أبو جهاد في ذكراه الثلاثين


آخر تحديث: April 16, 2018, 4:25 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

مرت ثلاثة عقود،  على ارتقاء القائد الرمز خليل الوزير (أبو جهاد) شهيداً في فجرٍ ظل يرقُبُه، لكي يسكن في الضمائر ويظل حاضراً. هو رجلٌ أرخص عُمرَه منذ نعومة أظفاره، وأرخص كل تفصيلات حياته من حيث هي متاعٌ في الدنيا. فأبو جهاد، هو الراعي الأول، للطور الجنيني لفكرة الثورة المسلحة، وقد عاش حياته مستبشراً بالنصر. أعطى الشباب دروساً لا يعرفها إلا من أرتفعت الى الله يُمناه!

 قبل أن يقوى ساعده على حمل المشعل الثقيل الذي تتلظى نيرانه؛ اجتذبه في شبابه اليافع خطاب الثورة ممزوجاً بخطاب التقوى. كان الشيخ محمد الغزالي، في مستهل الخمسينيات، رئيساً للبعثة الأزهرية في غزة، وكان الفتى خليل يتعقب آثاره ويهييء له المكيروفون لكي يرعد. فقد كان الشيخ في تلك الأيام، صاحب خطاب يحث على الجهاد الطاهر، والفتى بدوره، يحاكي في انشغالاته مع الفتية دور الثائر، فيؤسس كتيبة طلابية مسلحة بالعصي، يسميها "الفداء" كمن يتهيأ لأمر جلل. كان سياقه ذاك، معادلة من شقين، أن لا نكون قطيعاً هائماً، يلتزم مهاجع نومه ويتحصل على طعامه من "الأنروا" ويقنص الذئب منه، من تعلو هامته ويقاوم. فلماذا لا نكون نحن الكواسر فنباديء الصهيونية الغاصبة بالقنص؟ في رحم تلك الفكرة الجنينية، أسس مجموعته،  هو والمرحوم حمد العايدي (أبو رمزي) وبدأ يقاوم قبل أن تتسع الرؤية وتصبح فتح الثورة، التي رفع بُناتها الميامين، أبو عمار وأبو جهاد، وأبو يوسف، وأبو إياد صلاح، وأبو علي إياد وليد، وعبد الفتاح حمود وسواهم من الأولين، مناراً ساطعاً، وقدموا مثالاً وحملوا سراج الحق. فقد  لاحت الدار الفلسطينية كلها، لأبي جهاد ورفاقه، دارهم ومقصد صَبوتِهم ومعقد الرجاء!

كان أبو جهاد، مثلما قلنا في مأثور الكلام، أول الرصاص وأول الحجارة. لم يغب هدفه لحظة عن ذُهنه. تكثفت كل أمنياته في أن يصبح واحداً طليعياً من أولئك الذين قال فيهم الشاعر أحمد شوقي، في رثاء شهيد سوريا يوسف العظمة:  "ملأن الأرض أسلحة خِفافاً/ ووجه الأرض أسلحةٌ ثِقالا/ وأرسلن الرياح عليه ناراً/ فما حَفَلَ الجنوب ولا الشمالا!

خاض أبو جهاد القائد، معارك الثورة في كل الساحات، وامتطى المنايا، وقاتله الأوغاد من كل صوب، وعاش شامخاً بطلاً بقلب مُهذّب، لا يهاب كل الحيّات الرقطاء. ففي شهوره الأخيرة، اعتمر الخوذة العسكرية الثقيلة، لكي يدافع عن الثورة في طرابلس، مثلما دافع عن الحق الفلسطيني في الميادين. ولما حان وقت الحجارة، ولم نعد نملك سواها، أمسك بدفة الانتفاضة الكبرى التي اندلعت في الثامن من ديسمبر 1987 وأعطاها بوصلتها كما أعطى اسمها للقواميس بكل اللغات. فتش العدو في الخارج الفلسطيني عن الرجل اللصيق بالجغرافيا الفلسطيني فيما هو بعيد، وكان أبو جهاد!

قطعوا المسافات. توغلوا في الليل وفي البحر، وتواطأ معهم متواطئون من العبيد، حتى وصلوا الى منزله بجوار منزل الغضنفر المزور. تجاوزا عن الثاني الذي احتمى بقلة مروءته، وتقصدوا اللصيق بفلسطين وجماهير شعبها والانتفاضة، لكي يُجهزوا عليه، وهكذا كان!

جماهير عربية غفيرة، شيعته في الشام، فــ "إذا الأرض شُعلة ألهبتها همسات الجهاد عبر الحناجر، مثلما قال الشاعر كمال ناصر الذي استشهد قبله، في رثاء عبد القادر الحسيني. لقد غاب أبو جهاد، كما عبد القادر، وكما قال كمال ناصر في قصيدة الثاني، بعد أن "رمى جبهة الصعاليك بالنار/ وللصعاليك منا الخناجر"!