كائن


آخر تحديث: April 16, 2018, 3:58 pm


أحوال البلاد
بقلم: بدوي الدقادوسي

 

كائن عربي ، يركض الآن إلى حيث يبغي الأمان . ويشرب الرّيح العاوية، ويلتفت مذعوراً يمنة ويسرة، وحين يُبطئ لا يستطيع أن يمنع نفسه من الالتفات للوراء بعصبيّة وذعر .
ثمّة خطر . ثمّة خطر .فمن يلاحقه أكثر دهاء وبطشاً ، مارد مخيف كريه الخلقة : أين المفرّ ؟! أين المفرّ ؟! لاأستطيع التجرد من عروبتي فلو أخفيتها في لساني ظهرت في ملامحي أغالب تعباً مُميتاً أركُضْ . أركُضْ . أركُضْ …أحاول الهرب بعيدا عن دنس الأباطرة العرب 
الأرض تحتي غولة مخاتلة، تتلوّن بألف لون ولون، تلبس الصّخور الصوّانيّة ذات الأطراف الجارحة المدمية، ثمّ تخلعها فجأة، وتلبس الأشواك المسمومة، أو تنتصب أمامي على شكل سدٍّ عالٍ لا يُخترق . أدور من ناحية لأخرى، وأغامر بالقفز والرّكض فوق الأشواك : ثمّة خطر . ثمّة خطر . لا أستطيع الطيران : لو كنت نسراً !!ولكني طير داجن تربيت في حظيرة الحكام .....ففي الخليج يسمنونني لتقتلني السمنة وفي الشام يسمنوني ليقتلني الأسد وفي مصر يضعونني في حظيرة للديكة تأكل بعضها بعضا أو تضعنا الحكومة في حلبة مناقرة الديكة وتبيع التذكرة للسياح بآلاف الدولارات 
أنحدر تلّة صغيرة مُختفياً عن ناظريّ مُطاردي ، بعضٌ من الأمان لبعض من الوقت، فرصة سانحة للعثور على جُحْر . عيناه الصّغيرتان لا تكفّان عن البحث . لا شيء على امتداد البصر . أرض مكشوفة تتركي عارياً تماماً، طُعماً سائغاً لأداة المارد الجهنّميّة، مُطلقة الصّوت المدوّي والنار القاتلة . أين المفرّ ؟! أين المفرّ ؟! لو كنت أفعى تلتف حول رقبة الحكام؟؟
يركض . يركض . يركض . ما زالت الأرض مكشوفة . ما زال عارياً في الخلاء الرّحب، خلاء موته . الآن تخترق النّار جثتي . والتفت للوراء دون أن ابطئ ، ربّما لأنّي فقد نصف قدرتي على الرّكض . أبداً لم أركض في حياتي بمثل هذا البُطْء، ولم أحسّ يوماً بمثل هذا التعب . ووقفت ألهث خلف صخرة صغيرة بالكاد تحجبني . 
وداهمتي رغبة طاغية في البكاء . آه يا أمّي . آه يا أمّي . . قطرة ماء . قطرة ماء يا ربّ السّماوات . ودوّى في السّماء صوت القيامة . آه يا أمّي . آه يا أمّي . يتراءى لي طيفك . والألم ما زال ينبع ، لكنّي لم أعد قادراً على الحراك . جسدي هامد تعدو عليه الرّيح . والدّنيا تعتم في عينيي شيئاً فشيئا . أين أنت يا أمّي ؟! .. والتقطت أذني الواهنتان دبيب الأرض . ها هو قادم . إنّه قريبٌ منّي . قريبٌ جدّاً . أكاد أسمع فحيحه . أنا ميّت . أنا ميّت !! ..
أغمض عينيي بوهـن . طعـم البارود والتّراب والدّم فـي فمي . برودة الثلج تعتريي . آه يا دفْءَ العشيرة . آه يا دفء العشيرة . وتدبّ فجأة في كياني رغبة الحياةفكيف أعيش و مازلت أحمل وصمة العروبة في دمي وفي فمي؟؟