عباس/حماس: من الانقسام إلى الانفصال


آخر تحديث: April 12, 2018, 7:47 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

بغض النظر إن قامت مالية السلطة في رام الله بصرف مرتبات موظفيها المقيمين بقطاع غزة, عن شهر مارس/آذار الماضي خلال الأيام القليلة القادمة, أم لا, فإن السهم قد انطلق, وللمصادفة فإن راتب شهر مارس/آذار من العام الماضي كان قد صرف لموظفي قطاع غزة, منقوصا بنسبة تراوحت بين 30_50%, مترافقا مع إحالة بضعة آلاف من موظفي السلطة المدنيين والعسكريين بشكل قسري إلى التقاعد المبكر. قبل عام, بررت الحكومة بشكل واه بالطبع الخصومات على الرواتب بالقول بأن ميزانيتها تعاني عجزا ماليا, وتجاهلت بأن مواجهة العجز لا تكون من خلال الخصم من فاتورة راتب موظفي غزة, دون زملائهم في الضفة, وهذه المرة لم تقل بعد_ ربما لتمرير الأمر حتى يصبح أمرا واقعا رغم قسوته_ بأنها توقفت تماما عن صرف الراتب الشهري, لكنها قالت بأن هناك أسبابا فنية هي التي كانت وراء تأخير صرف الراتب, وأيضا لم توضح لم أن هذه الأسباب تقتصر على غزة دون الضفة . 
في الحقيقة أنه وبعيدا عن التسريبات والتخمينات الإعلامية التي تتوزع ذات اليمين وذات الشمال, فإن الرئيس نفسه, وبعد أيام من واقعة تفجير موكب رئيس حكومته ورئيس مخابراته العامة في غزة, كان قد ألقى كلمة تضمنت تعرضا قاسيا لحركة حماس, كذلك تهديدا باستخدام صلاحياته الوطنية والقانونية, وحدث ذلك أصلا بعد توقف المحطة الأخيرة من ملف إنهاء الانقسام عند مفترق الانتقال من المرحلة الأولى التي سميت بتمكين الحكومة من غزة, والمرحلة التالية التي كان يجب فيها جدولة مرحلة الانتخابات العامة. 
ورغم تدخل مصر التي انشغلت لاحقا بانتخاباتها الرئاسية, إلا أن الرئيس المصري, وفور إعادة انتخابه أرسل لرام الله مبعوثه الخاص اللواء عباس كامل لتهدئة العلاقة التي انفجرت مجددا بين رئاسة السلطة وحركة حماس في غزة, قبل مواجهة عدة استحقاقات مهمة, منها جلسة المجلس الوطني, وعقد القمة العربية, والذكرى السبعين للنكبة التي ستشهد فعلا متعاكسا على الجانبين: من جهة نقل السفارة الأمريكية فعليا إلى القدس, ومن الجهة المقابلة, أطلاق مسيرة العودة . 
لكن المحك والدليل على نجاح التدخل المصري, يظهر في استحقاق فاتورة الراتب, التي ستظهر خلال ساعات, فإن نزل الراتب, ربما يكون ذلك دليلا على تأجيل الأمر للشهر القادم, أي تجاوز محطة المجلس الوطني والقمة العربية, فيما سيتعلق الشهر التالي, بمحطة أيار .
الموقف الرسمي للسلطة وبعد واقعة تفجير الموكب مباشرة, طالب حماس بتسليم غزة بالكامل, أو رفع يد السلطة عن قطاع غزة, وانسحابها من ملف إنهاء الانقسام, وهذا يعني في ترجمته تنفيذ جملة من الإجراءات, منها التوقف عن صرف فاتورة الراتب بشكل كامل, ووقف كل الخدمات, من الكهرباء والصحة والتعليم, وربما التوقف عن صرف جوازات السفر . بما يعني بأن غزة " صارت بلا صاحب ", وهنا فورا تنشأ أسئلة عديدة, لا تنتظر الإجابة عليها الكثير من الوقت, فمثلا, في شهر أيار سيكون قطاع غزة على موعد مع امتحانات الثانوية العامة, فكيف ستجري تلك الامتحانات في غزة, وكيف سيقوم المواطنون بترسيم أوراقهم الرسمية حين يحتاجون إلى تقديمها للخارج, وكيف سيقومون بتجديد جوازات سفرهم, هذا فضلا عن الحج والعمرة, والعلاج بالخارج, وسلسة لا تنتهي من القصص والمشاكل, بما يعني بأن القطاع سينهار خلال أسابيع, إن لم يتم ترتيب شكل "سيادي" خارجي له, بديلا عن سلطة رام الله .
معظم المؤشرات ترجح دخول السلطة في هذا المسار الانتحاري, لأن الموافقة على مطلبها, مطلوبة من حركة حماس, التي أبدت طوال أحد عشر عاما, بأن ما أخذته في غزة بالقوة, لن تسلمه دون قوة, وسلطة الرئيس عباس تفتقر للقوة العسكرية, أو أنها تبدو أضعف من مواجهة القوة العسكرية لحماس في قطاع غزة, لذا هنا يتشكل السؤال كبيرا ومفارقا, وهو إن كان رئيس السلطة يفكر أو يستمع لمن يقترح عليه بإعلان قطاع غزة إقليما متمردا, ليرفع يد الشرعية عنه, لماذا لا يعلن عن حركة حماس حركة خارجة عن القانون, حركة انقلابية, اختطفت غزة بقوة السلاح, ومن ثم يعود بقواته ليفرض عليها قوة القانون, وبدل أن يعاقب الشعب في غزة بأسره يقوم بمعاقبتها أو بمواجهة قواتها العسكرية التي فرضت الانقسام والانقلاب وعدم سيطرة الشرعية عليها, تماما كما تفعل الدول والحكومات الشرعية ؟ ! 
سيكون الرد بأن قوات الشرعية ستتعرض لهزيمة عسكرية, لكن الشعب سيكون بجانبها, كذلك النظام الإقليمي, هذا وإلا فالقبول بشراكة حماس في السلطة, كما كان الحال إلى حد ما قبل عام 2006, حيث كان القسام بسلاحه تحت الأرض وفي الخفاء, ولتحاول السلطة أن تفرض سلطة القانون وليس سلطة الأجهزة الأمنية, حينها سيكون الجميع معها من مواطنين وفصائل ومنظمات مجتمع مدني . 
أما اللجوء إلى خيار التنصل من المسؤولية فهو _برأينا خيار انتحاري وكارثي على الشعب وعلى الجميع_لأنه أولا ليس من حق السلطة التوقف عن دفع رواتب الموظفين, لأن ملف الموظفين ليس ملفا سياسيا ولا ملفا انقساميا, فهو ملف يشمل حقوق الأفراد, الذي يمكنهم الحصول عليه بقوة القانون الدولي, وهنا يمكنها مثلا أن تقوم بتحويل مرتباتهم للبنوك, في الوقت الذي تقوم فيه بوقف عمل البنوك في غزة, فلا تسطو بذلك على رواتب الموظفين . كذلك فإن دفع غزة لأن تكون دون غطاء خارجي, سيفتح الباب واسعا لأن يملأ الفراغ طرف آخر, هو حماس التي تنتظر بفارغ الصبر هذه الخطوة من عباس, وقد ظهر ذلك جليا بخطاب إسماعيل هنية بجوار السياج الحدودي, حيث كان متأكدا وبنسبة 100% بأن الجنود الإسرائيليين الذين يطلقون النار على متظاهري مسيرة العودة لن يطلقوا عليه النار وهو يرفع صورة مانديلا وغاندي ولوثر كينج, وكان ينقصه أن يرفع غصن الزيتون ليقدم نفسه خليفة جاهزا لوراثة عباس في حياته أو بعد وفاته . 
الأمر سهل أكثر مما يتوقع البعض, ومن خلال فتحات التدخل الإنساني ستدخل أمريكا وربما في أسوأ الأحوال توضع غزة تحت وصاية أمريكية بغطاء دولي, كل ذلك يحتاج فقط إلى ذلك القرار الفصل من الرئيس عباس !