مافيا الاتجار بالمعاقين في غزة بلا رقيب أو حسيب


آخر تحديث: April 4, 2018, 6:11 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

حين تتحول الإعاقة إلى تجارة , شبكات وسماسرة تتاجر بها , مافيا النصب والتجارة بمعاناة المعاقين, يبتدعون سبلا للنصب والاحتيال على المواطنين , امرأة تحمل طفلة أو طفلا معاقا ,وتستجدي المارة من أجل مساعدتها ,على مصاريف علاجه والتكفل به، ورجل كبير السن علي كرسي متحرك ,يشتكي من مصائب الزمن التي ألمت وحالت دون إشرافه علي إدارة شؤون أسرته, إنها مشاهد تكاد تكون عادية للمتجول في أزقة وشوارع قطاع غزة ، وأمام أبواب المساجد والمخابز والمحلات التجارية، وفي الشوارع الرئيسية وأمام مفترقات الطرق و في الأسواق، والمقاهي والمطاعم، وحتى المقابر, أماكن غدت مرتعا لكل أنواع المتسولين، لكن أبرزهم أولئك الذين يتسولون بإعاقاتهم، أو الذين يمثلون دور المعاق للنصب على المواطنين .

وأنت تسير في أي من شوارع قطاع غزة يوقفك بشكل مفاجئ شاب أصم وأبكم في ريعان شبابه , يخرج لك من جيبه بطاقة تحمل اسم احدي المؤسسات الأهلية في القطاع , كتب عليها " ساعدني بمبلغ 2 شيكل " , وفى الطرف يدخل شاب أخر علي احدي المحلات التجارية ويبرز ذات البطاقة في محاولة لكسب استعطاف صاحب المحل , بحجة أنه أصم وأبكم ,لدرجة أن هذه الطريقة باتت ملفتة للانتباه , أحوال البلد قامت برصد بعض الأشخاص وزارت بعض المؤسسات الأهلية التي تختص بشئون الصم والبكم , ووصلت إلي احدي المدارس الخاصة في تعليم الصم والبكم , أعدت التقرير التالي .

كثير منا من يتصور بان الإعاقة تمنع من ممارسة العمل، تمنع الإبداع , لكن لو عدنا بذاكرتنا لسنوات الجامعة لوجدنا انه من الأوائل على الكليات طلاب من ذوي الإعاقة، ومن رؤساء الأقسام أساتذة منهم, فهل يعني ذلك أن هؤلاء المتسولون كانوا ضحية مجتمعة همشهم والقي بهم إلى دائرة التسول ؟

في غزة لكل شخص طريقته وأسلوبه للتسول، وهناك من يبتدع طرقا أخرى تصل إلى النصب والاحتيال على المواطنين بشهادات مزورة، ومن الوجوه من تصبح مألوفة لديك لأنها اعتدت علي مقابلتهم بشكل شبه يومي حتى تبدأ تتساءل: "هل هؤلاء يمارسون حرفة من أجلها يستيقظون باكرا ويتزاحمون مع حشود المواطنين الذاهبة إلى عملها"؟.

والشيء الذي يؤلم، حسب البعض، هم الآباء والأمهات الذين يقومون باستغلال أبنائهم، خاصة المعاقين منهم للتسول مقابل مبلغ مادي، ففي الوقت الذي  تقوم بعض الدول العربية والأجنبية بسن قوانين تمنع التسول وتجرم من يقوم بتلك الأفعال , فان قطاع غزة يكاد يزحف كالطفل , في مجال التكفل بالمعاقين ومن يستغلون إعاقتهم لظروف اجتماعية واقتصادية , جعلت منهم لقمة سهلة من طرف أشخاص قد يصل بهم الأمر إلى تشكيل عصابات ومافيا تستغل هؤلاء المعاقين لترمي بهم في بحر التسول الذي يمحق كرامة الإنسان ويشوه سمعته فيحوله إلى مجرد وسيلة أو آلة في يد هذه الشبكات التي تهدف إلى الاغتناء على حساب ضعف المعاق وقلة حيلته.

اتفق مجموعة من المتتبعين على أن التسول بالإعاقة، كيفما كان نوعها، تجارة مربحة يمارسها الصغير والكبير، غير أن الفرق يبقى فقط بين من يصاب بالإعاقة وبين من يمثلها ويبتدع الحيل وطرق الغش والخداع لإخراج المال من الجيوب المواطنين.

لهذا نجد بأن علماء النفس والاجتماع يربطون الظاهرة بشخصية المتسول التي تكون غير مستقرة اجتماعيا ونفسيا، والتي تجعل من التسول مرضا معديا إذا أصيب به شخص ما تنتقل عدواه إلى أشخاص آخرين. ولعل من أبرز الأسباب التي تنتج المتسولين في المجتمع الغزي ، حسب علماء النفس والاجتماع، التفكك العائلي وانتشار الفقر والبطالة وغياب القوانين التي تعاقب استغلال الأطفال والمعاقين في التسول , وعندما نصف التسول بالإعاقة بأنه أضحى تجارة فإننا نقصد تلك الشبكات التي تقوم باستغلال المعاقين لجني أرباح طائلة .

خالد فرحات المختص في شئون المعاقين  يقول :"إن ذوي الإعاقة لا يتلقون حقوقهم في سوق العمل، سواء كان في الوظيفة العمومية أو في القطاع الخاص"،  واستغرب فرحات من  حجز ديوان الموظفين نسبة 5% التي نص عليها القانون لتوظيف ذوي الإعاقة, أما في القطاع الخاص فما زالت المبادرات فردية، وقد تصطدم أحيانا بموضوع التأهيل المهني لذوي الإعاقة, حيث لم يكن هناك اهتمام مسبق بتأهيل ذوي الإعاقة مهنيا لدمجهم في سوق العمل.

ويري فرحات أنه وبحسب مؤشرات للإحصاء الفلسطيني هناك ما يعادل 90% من ذوي الإعاقة لا يعملون،  وأكد فرحات أن أعداد ذوي الإعاقة تزداد مع الوقت بسبب الحروب مع إسرائيل والإصابات المتكررة في صفوف الفلسطينيين.

واستهجن فرحات غياب مواءمة المباني لذوي الإعاقة، وحتى في حال المواءمة فهي تكون لنوع معين من الإعاقة وهي الحركية، أما الإعاقات الأخرى فما زال أصحابها طي الإهمال والتهميش.

من جانبها استنكرت ماندي سرداح مسئول شئون الموظفين والقائم بأعمال مسئول العلاقات العامة في جمعية أطفالنا للصم , قيام بعض الأشخاص بتزوير بعض البطاقات التي تحمل اسم مؤسستهم , ومكتوب عليها " ساعدني بمبلغ 2 شيكل " وأكدت سرداح أن هذه الجمعية " جمعية أطفالنا للصم " جمعية أهلية ولا علاقة لها بمثل هذه البطاقات , كما وطالبت الجهات المعنية بضرورة متابعة تلك البطاقات ومن يحملوها , ليصلوا إلي الأشخاص الذين يقفون خلف تزوير تلك البطاقات , لينالوا عقابهم القانوني .

هذا وأكدت سرداح أن جمعية أطفالنا للصم هي جمعية غير حكومية , تقدم خدماتها التعليمية والمهنية للصم منذ عام 1992, حيث يوجد بها مدرسة متخصصة لتعليم الصم , والعديد من البرامج المهنية , وأضافت سرداح أن الآلاف من الأطفال والبالغين من الصم وضعاف السمع وعائلاتهم يستفيدون من خدمات الجمعية المختلفة .

المختص في علم النفس عامر حرارة يرجع الأسباب الكامنة وراء تفشي ظاهرة التسول وانتشارها بشكل فظيع في المجتمع الغزي إلى ضعف مشكلة التغطية الاجتماعية ووجود إعاقات تتطلب تكلفة مادية باهظة في ظل غياب مشاريع مدرة للدخل تضمن لهؤلاء المعاقين، خصوصا أصحاب الإعاقات الثقيلة، موردا كريما للعيش.

وأدان حرارة التسول، معتبرا أنه لا يصون كرامة المواطن ويعبر عن وضع اجتماعي به مجموعة من الاختلالات، تتمثل أولا في التغطية الاجتماعية، وثانيا في غياب حركية المجتمع المدني في إطار مشاريع مدرة للدخل تضمن نوعا من الاستقلال المالي لهذه الفئة، وثالثا في غياب نصوص قانونية تحفيزية تساعد هذه الفئة على الاندماج المهني, و يضيف حرارة ، إن غياب مقاربة سياسية واضحة المعالم على الصعيد الوطني لإدماج هذه الشريحة بدءا بالتعليم.

وبالرغم من أن التسول يعد بمثابة جنحة معاقب عليها القانون ، فإن المادة التي تنص على ذلك لا يتم تطبيقها أولا لبعد الظاهرة الاجتماعية وثانيا كنوع من التضامن مع هؤلاء.

 لكن الخطير الذي طرحه حرارة هو تواجد شبكات تستثمر في إعاقات هؤلاء وتستغلهم، وهذا ما يجب القضاء عليه بتفعيل نصوص قانونية أكثر صرامة.

من جهته، أوضح أحد الإداريين في مدرسة المبدعين للصم والبكم ، أن المدرسة تعتبر أن المعاقين عموما فئة يجب منحها مزيدا من الاهتمام بتقديم الدعم المادي للأسر والعائلات التي تتوفر على أشخاص أصيبوا بإعاقة مع توفير مراكز للرعاية والتكوين حتى يتسنى لهذه الفئة أن تمارس حقها في الحياة بشكل يضمن كرامتها في العيش.

واعتبر أن التسول بالإعاقة أو استغلال الشخص المعاق  إعاقته في التسول هو انتهاك لحقوق الإنسان، وأن الشبكات والسماسرة الذين يتاجرون بالمعاقين وبمآسيهم يجب زجرهم بقوانين صارمة، مطالبا بالتكفل بهذه الفئة من طرف الحكومة وبأن تتحمل الدولة مسؤوليتها تجاه المعاقين، وخصوصا حاملي الشواهد العاطلين عن العمل.

وحسب مهند وهو حامل بطاقة معاق، وعاطل عن العمل، فإن التسول بالإعاقة له الكثير من الأبعاد، فالمعاق بالنسبة إليه يعاني التهميش والإقصاء منذ طفولته من طرف الأسرة والمجتمع وعندما يكبر يفضل الهروب والخروج إلى الشارع لكسب لقمة العيش في ظل أزمة البطالة. ويضيف مهند "من منظوري الخاص، ما دام الشخص يتوفر على شهادة تخول له العمل فمن واجبه الدفاع عن حقه في الحصول علي عمل ، أما من يستغلون المعاقين فهؤلاء عبارة عن شبكة تقوم بالنصب والاحتيال على المواطنين باسم هذه الفئة التي تحتاج إلى الرعاية والحنان والنظرة الإنسانية".