«ضلع أعوج» دعوة شبابية نسائية إلى التفكير عكس التيار


آخر تحديث: March 19, 2018, 11:32 am


أحوال البلاد

 

في أزمنة الضغوط السياسية والانتكاسات الاجتماعية والنكسات الدينية، يتعثر التفكير خارج الصندوق ويتعطل اللجوء إلى العقل والارتكان إلى المنطق خوفاً من القيل والقال، ومنعاً لمزيد من الأثقال.

لكن الثقل الكبير الذي تركه فيلم وثائقي قصير أنجزته أربع شابات مصريات في أوائل العشرينات من العمر هن زينة بلاسي وسهى بلال ولميس حلمي وأميرة بد، أثبت بالحجة والبرهان أن في الحياة، على رغم صعوبتها، وفي الأوضاع على رغم تشابكها، ما يدفع بهؤلاء إلى أفكار ربما تصدم البعض لكنها بكل تأكيد توقظ الأدمغة التي دخلت سباتاً عميقاً قبل سنوات، وأوصت بألا يوقظها أحد منعاً للجدال واتقاء لشر التشكيك في ما تحول من عرف إلى تفسير ديني متشدد، ومنهما إلى ادعاء شخصية الدين نفسه.

«الدين نفسه لا يتعارض والتفكير والمنطق، لكن المجتمع وعاداته وتقاليده استغلوا الدين لتبرير وتمرير تصرفات بعينها أغلبها يفرض طوقاً وضغطاً على الفتيات والنساء. وأبرز مثال على ذلك تبرير العنف الأسري وجعله يبدو وكأنه من صميم الدين وصحيحه»، كما تقول زينة بلاسي (20 عاماً) (طالبة في كلية الإعلام في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري) إحدى صانعات فيلم «ضلع أعوج» الذي يعرض هذه الأيام تزامناً واحتفالات المرأة في شهر آذار (مارس).

الفيلم (مدته 15 دقيقة) يتناول حياة ثلاث إناث مصريات يعانين أشكالاً مختلفة من الضغوط المجتمعية التي ارتدت في العقود الأخيرة رداء التدين والالتزام. البطلة الأولى هي «يارا» (22 عاماً) تدرس الهندسة وتحب الرسم والفن. تقول إن أفراد أسرتها مختلفون في أفكارهم، وأن هذا الاختلاف جعل كلاً منهم يتفادى الحديث والنقاش مع الآخر منعاً للصدام و»وجع الدماغ». تقول في الفيلم: «لو كنت ولداً، لما خضعت لهذا الكم من القوانين المفروضة علي من المجتمع، أو حتى إملاءات المجتمع التي تحدد لي ما يمكنني عمله وما لا يمكنني».

ما لم يمكنها عمله هو عدم ارتداء الحجاب. تقول: «لم أكن أود أن أغطي شعري، لكن أهلي قالوا لي لو تخليت عن الحجاب فأنا مرتدة. ووصل الأمر لدرجة إنهم قالوا لي إنهم سيحلقون لي شعري ثم يقتلونني لو خلعت الحجاب». وتتذكر كيف ضربها أهلها حتى احمر كل جسدها حين كانت في التاسعة من عمرها لأنها قالت إنها أدت الصلاة ولم تكن قد أدتها. تقول: «عرفت في ما بعد أنهم يعتقدون أنهم بهذا العنف والقسوة يريدون أن يجعلوا الصغير يتذوق بعضاً من عذاب الآخرة إن لم يتبع الدين، وأن إجبار الآخرين على فعل أشياء بعينها يضيف لهم المزيد من الحسنات».

تقول آية إنها أصبحت تشعر بغضب شديد كلما سمعت مشايخ يصرخون ويهددون وينذرون، لأن الهداية لا تأتي بالصراخ والعنف. «هذا الفزع يعكس فزع من يقومون بالعنف لأن هناك من لقنهم بأنهم سيعاقبون لو لم يجبروا الآخرين على تصرفات معينة».

البطلة الثانية هي آية عصام (26 عاماً). تعرف نفسها بأنها «مستقلة (أي تعيش بعيداً من أهلها في شقة تستأجرها ومجموعة من الفتيات). والدي إسلامي جداً ووالدتي إسلامية جداً ومنتقبة والأسرة محافظة جداً جداً. صعوباتي كثيرة جداً ومكررة بشكل لا ينتهي، بدءاً بأثناء استعدادي لأترك البيت صباحاً حيث أسئلة لا تنتهي: لماذا تنزلين مبكراً؟ لماذا ترتدين ملابسك هكذا؟ إلى أين تذهبين؟ ما المحاضرات التي ستحضرينها في الجامعة؟ من ستقابلين من الصديقات؟ وهل هن وعائلاتهن يشبهوننا في أيديولوجيتنا أم أنهم مختلفون عنا؟»

تتحدث آية بشجاعة (ينعتها البعض بالجرأة) عن التعامل معها طيلة الوقت باعتبارها كائناً ناقصاً بشكل أو بآخر، كائناً ليس له حق الاختيار أو التقرير أو التعبير عن وجهة النظر. تقول: «حتى الحق في التعليم وخوض التجارب بنفسي ممنوع. إنه مجتمع يقيس مقدار أدب الفتاة بمقدار إذعانها للأوامر والتوجيهات التي تصدر لها».

تضيف: «مصدر الفزع الأكبر لوالدتي كان ما يمكن أن يقوله الجيران الذين ينتقدون طول الخمار الذي أضعه، وطريقة الصرفات، وموعد العودة إلى البيت».

وفي البيت تناقشت آية ذات مرة مع أحد أعمامها من السلفيين وذلك في عدد من القضايا الدينية التي كانت تفكر وتبحث عنها مثل الميراث وحق المرأة في تطليق نفسها وغيرهما. تقول: «بعدما تناقشنا وشكرته على المعلومات التي أمدني بها، قرر أن الحل بالنسبة الي هو حجب مصادر المعلومات عني وذلك بحرماني من هاتفي المحمول وإغلاق الإنترنت في البيت».

البطل الثالث هو أحمد الأب الشاب لابنة في الثالثة من عمرها. يقول بشجاعة غير معتادة أن العادات والتقاليد هي التي تتحكم في طريقة تربية الأهل للأبناء، لا سيما البنات. يصمت أحمد قليلاً وتبدو عليه آثار الحيرة حين يسأل عن كيفية تربيته وتعامله مع ابنته بمرور السنوات، ثم يقول: «لست متأكداً كيف سأتعامل معها حين تكبر. سأتركها تخوض تجاربها ولكن وهي تحت عيني. في الأول وفي الآخر، الكلمة العليا لي». ويضيف: «لن أتعامل معها بعنف، لكن طبيعي أن الأب يلطش (يضرب) أبناءه لكن ليس كضرب الأبناء الذكور. نحن نحاول قدر الإمكان تنفيذ ما جاء في القرآن».

تقول سهى بلال (20 عاماً طالبة في كلية الإعلام في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري) وواحدة من صانعات الفيلم المستفز للتفكير أن المجتمع المصري لم يعتد على مناقشة الأمور الدينية، ومن يناقش مثل هذه الأمور يتعرض عادة للانتقاد والهجوم. «لكن في الوقت ذاته نحن جيل في أوائل العشرينات من العمر ونعيش في مجتمع تسيطر عليه السلطة الأبوية في كل شئ وليس في الأمور الدينية أو في ما يتعلق بالإناث فقط، وقد حان وقت التفكير والنقاش في مثل هذه الأمور». وتضيف أن عقوداً طويلة من نبذ النقاش والتكفير جعلت الكثيرين يعتقدون أن الدين قائم على العنف وإلغاء العقل، وشوهت صورة من لم يلغوا عقولهم.

وتشير زينة إلى أن رد فعل الناس على الوثائقي اتسم بالصدمة بصفة عامة، «لكن بعد الصدمة بدأ البعض يفكر، وبدأ البعض الآخر يناقش وهذا في حد ذاته مكسب وإنجاز كبير. لكن آخرين توقفوا عند حدود الصدمة واعتبروا أن أي نقاش في أي تفسيرات دينية يعد هجوماً على الدين».

وتحكي سهى عن رد فعل البعض بعد عرض الفيلم قبل أيام في معهد غوتة في القاهرة ، إذ وصفه أحدهم بأنه «سمك لبن تمر هندي»، إذ لم ير أي علاقة بين مشكلات الفتيات من جهة والتفسيرات الدينية والتي يعتبرونها الدين نفسه من جهة أخرى. كما انتقد آخرون الفيلم باعتباره مهاجماً للدين وهو ما يؤكد المشكلة السائدة في المجتمع والتي تُرهب كل من يجرؤ على التفكير أو النقاش في التفسيرات التي يصيغها البشر.

وتتساءل زينة وسهى عن الضرر في أن يقرأ من هم في مثل أعمارهما الكتب المقدسة بأنفسهن فربما تكون هناك رؤى مختلفة عن الرؤى التي جرى العرف أن يقدمها رجال في أواخر العمر. وعلى رغم الانتقادات الناجم بعضها عن صدمة تحريك المياه الراكدة منذ عقود، والبعض الآخر عن ترسخ فكرة أن من ينتقد التفسير الديني يهاجم الدين نفسه، إلا أنهما سعيدتان بنجاح الفيلم في تشجيع فتيات على رؤية أنفسهن ومشكلاتهن من خلال النماذج الثلاثة المعروضة. كما أنه يتيح للرجال أن يروا بأنفسهم كيف تقيم تصرفاتهم بناتهم وزوجاتهم. ويعد الفيلم دعوة شبابية حقيقية للتفكير على رغم أنف التكفير.

أما صعوبات تجهيز الفيلم، فتمثلت في خوف الفتيات وحرجهن من المجاهرة بمعاناتهن أمام الكاميرا.

الفيلم هو أحد الأفلام الوثائقية القصيرة التي أنتجها مشروع «علّي صوتك» والتي تناقش موضوعات مثل التربية الجنسية وعلاقة الدين بالمجتمع وتمكين المرأة. وقد بدا المشروع في هيئة مبادرة من مخرجة الأفلام الوثائقية الألمانية فرانشيسكا أريزا عام 2015. وكانت في مصر لتصوير وثائقي عن موسيقى الجاز، وعندما بحثت عن مساعد لها في الفيلم لم تجد سوى الرجال، وقيل لها إن مثل هذه المجالات يستحوذ عليها الذكور. ففكرت في إنشاء ورشة للشابات في مصر لتدريبهن على التصوير السينمائي والصحافي.