متفجرة القرن والحال الهشّة


آخر تحديث: March 14, 2018, 6:38 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

ليس أطرف ولا أدعى الى السخرية، من التنوع والاتساع في تفسير "متفجرة القرن" التي أنزلت واقعتها عند معبر بيت حانون، في قطاع غزة، حيثما يضع الله سره في أضعف خلقه!

فمن قائل، إن اليهود يخلطون بالمتفجرة أوراق الفلسطينيين، ومن قائل إنها مؤامرة لإحباط المصالحة، وقائل أخر يرى إنها محاولة حمساوية لقطع دابر الوفاق، وقائل رابع يرى إنها محاولة لخلق قيادة بديلة. أما تلفزيون عباس فإنه يتصل بأرزقي وانتهازي، في القاهرة، لكي يسأله سؤالاً يكون الأرزقي نفسه، هو الذي وضعه في فم المذيع قبل الهواء: هل يمكن الربط بين دعوة المدعو دحلان فخامة الرئيس أبو مازن، للتوجه الى غزة، والانفجار الذي وقع؟". فيُجيب الأرزقي:"لا نستبعد شيئاً على هذا المدعو" ولم يكمل الرجل للتعريف بالمدعو الذي يعنيه، وهو أول أولياء نعمته!

لعل موضع الطرافة، في مثل هذا التنوع التحليلي والاستنباطي، هو ما قدمه عباس لمواليه، من تلخيص للرأي الراجح عنده. فهو بحكم كونه حبيب الرحمن، ووريث الأم الحنونة تريزا، وامتداد الطيبين من السلف الصالح في تاريخ الإسلام؛  ينبغي أن يعرف. وها هو يؤكد: إن الجريمة مُخططٌ لها ومعروفة الأهداف ومعروفُ المنفذون، وتنسجم مع كل المحاولات للتهرب من تمكين الحكومة الفلسطينية من ممارسة عملها في قطاع غزة، وإفشال المصالحة، وتلتقي مع الأهداف المشبوهة، لتدمير المشروع الوطني بعزل غزة عن الضفة الغربية، لإقامة دولة مشبوهة في القطاع"!

في الحقيقة يستمتع واحدنا أحياناً ببديع الكلام العباسي، لا سيما عندما يجعل مصيرنا كله، والكيان الوطني، وسياقنا التاريخي، تحت رحمة متفجرة من وزن الذبابة. وهذا اعتراف ضمني، بأننا قد أصبحنا في حالٍ هشّة. والرجل يعرف ولا يُفصح، ويتوقع ولا يُحذّر، وهو يرى الآخرين يخططون فلا يَفضحهم إستباقاً لكيدهم،  ولا يخطط عكساً. هو يخشى الدولة في غزة، ُويحث الغزيين في كل يوم على تأسيسها بالتعاون مع الشيطان، لكي ينقذوا إنسانهم وطفلهم ونظافة بحرهم وروحهم التي يخنقها عباس نفسه، لكن الأوفياء في غزة، يصمدون ويتعلقون بأهداب الرحمن ويتحلوْن بالصبر ويتمسكون بفلسطين الواحدة المتداخلة مناطقها، ويستعيذون بالله من شر عباس وبطانته!

ربما يكون الصواب الوحيد في تعليل عباس للمفخخة الحقيرة، أو متفجرة القرن، هو قوله إن هدفها هو تدمير المشروع الوطني، على الرغم من أن سيادته حصراً هو الذي جعل  المشروع الوطني، ببُنيته الكيانية وبأهدافه الوطنية، ضمن القدرة التدميرية لمتفجرة من حجم الذبابة. فلم يتبق من المشروع الذي يتحدث عنه،  سوى مؤخرة سيارة الحمد الله أو ماجد فرج، أو المرافقين، فإذا أصيبت هذه المؤخرة، يضيع ما تبقى في يد عباس من المشروع الوطني الذي يتحدث عنه ولا نراه!

على الرغم من ذلك يزعم عباس أنه يعرف الذين خططوا، ويعرف المنفذين، ويعرف أهدافهم، لكنه لا يُفصح. تماماً مثلما وصلت رأسه ذات يوم، الى ذروة السخونة، وقال إنه يعرف قاتل ياسر عرفات، وأن الناس سيُفاجأون وأن ما سيُخرجه قريباً وفي مؤتمر عام، من جراب الحاوي، سيُذهل الجميع. بعدها، كان هناك على الأرجح، من نصحه ونبهه الى أنه يضر نفسه، لأن إحداثيات الوقت والتحالفات وسياقات السياسة الداخلية في لحظة استشهاد الزعيم الباسل ياسر عرفات، ستجعله المتهم الأول، المربوط مع المتهم الثاني بكلبشة واحدة، ولائحة اتهام يجريمة لم يقترفاها. فلا يدع غيظه وكيدياته تفتك به. بعدها ابتلع لسانه واعتصم بحبل الصمت، ولم يعد يعرف ولا يملك ما يفاجيء به أحداً، ولم يجرؤ أي خروف، على مطالبته الوفاء بوعده والإعلان عن المفاجأة!

هكذا يمكن أن تُقرأ ثرثرته عن المؤامرة وعن الدولة المشبوهة. وبالنسبة لهذه الأخيرة، سيكون علماء الاجتماع السياسي، مضطرين لإضافة "الدولة المشبوهة" الى الطبعات الجديدة من مؤلفاتهم عن أنواع الدول. فهذه لم يعرفها علماء السياسة من قبل. وصاحب الاختراع، هو رئيس الدولة البريئة، الصافية الواثقة، التي لا تتردد في الإعلان عن عقوبات لشعبها ولمناطق كاملة من أراضيها، ولأطياف عديدة من خارطتها السياسية، وهي التي يحتبس رئيسها، أرزاق الموالين له ويجوّع أسرهم، لكي يغيظ المعارضين. يصفع الموالي لكي يألم المعارض. إنها فلسفة الشجاع العادل، الذي يتوقع ولا يحذر، ومن يعرف ولا يوضح!

أما أبهج مفاجآت "متفجرة القرن" فهي أن محمود الزهار، نطق للمرة الأولى بكلام ينتمي الى ما يسمونه المنطق. قال الرجل: "لو إن حماس هي التي وراء المتفجرة، لكانت أشلاء الجماعة قد وصلت الى المقاطعة". وهذا قول، على ما يسببه للمتلقي من قشعريرة البدن، جدير بأن يوضع في ملف التحقيق!