حسنة العبد


آخر تحديث: March 13, 2018, 5:01 pm


أحوال البلاد
بقلم: فتحي زيدان جوابرة

ما تناقله أهل البلد عن حسنة العبد:
"خَبّتْ يوسف الحج اسعد بالمِتْبن، لما لحقوه الإنجليز"
"طقْعَتِ الخواجا chـف طيّرتله برنيطته عَ chــوم القُصُف"
"كانتْ تْقول للخُبِز كُبِز، وتلبس لِبْس المماليــch".
"زَلّامية، خَصَتِ الجَحِش"
"بَطْحَت الظبعة بواد السنديانة" 
كثيرا ما كانت حسنة تكرّر حكايتها مع الضبع في وادي السنديانة، وتحلف أغلظ الأيمان بالله وبالقرآن الذي لا تحفظ منه سوى المعوّذتين والإخلاص وأختيْهِنّ الكوثر والعصر، وتخربط في سورة "الكافرون" لأن آياتها مكرّرة؛ تحلف أن الضبع أرادت أن تسلب عقلها، لتأخذها إلى موكرتها، وتأكلها هناك. ومن كثرة تعدّد الرواة وتكرار الرواية وتقليباتها المتنوعة توصّل واحدٌ من أحفاد المهجّرين من قرية السنديانة إلى صياغة القصة، أو بالأحرى دبلجتها كما يأتي:
ــ كعادتها كلّ خميس في موسم الربيع ــ استيقظت حسنة العبد (الزّلّامية) مع أذان الفجر، وتملّست في زاوية مغلقة مستورة من حوش الدار، ابتداءً مفروغا منه قبل الوضوء، وغَزّتْ ركعاتها الأربع سريعا، ثم انطلقت بكل نشاط ورشاقة نحو الطابون، رغم عجيزتها الضخمة، وتبعتها البِسّة الحمراء، تتمسح بأذيال ثوبها. بَسْملتْ عندما ولجت إلى الطابون، وجلست على حجر الشيد، ثم بسملت مرة أخرى،وألقتْ الطرحة الأولى في الطابون، وهي ثلاثة أرغفة، فطابون حسنة واسع، وهي تتفاخر به دائما، وبخاصة أنه لا يُخيّب أملها، فلا يبرد أبدا، حتى في ليالي الشتاء الباردة جدا. وجهّزت عجينة الثانية على السِدْر ، ثم انتشلت الأرغفة، ووضعتها على صينية القش، وألقتْ قطعة منفوخة من طرف الرغيف الفوقاني للبسة التي تموء بإلحاح. خبزت ثلاث طرحات، ثم غَطّتها مع الصينية بالخَلَقَة المخملية، وهي القطعة المتبقية من قطعة المخمل التي جلبها خالها الحج محمود العيسى، عندما عاد من مكّة. أغلقت فوّهة الطابون، وجلبت تنكتين من البَعَر المخزون في المزبل، ونثرته حول القَحْف والغطاء، ثم ردّت السَّكَنَ عليه بالمقحار، وعادتْ إلى البيت برشاقة أكثر مما ذهبت، وفي طريق عودتها ألقت نظرة مستعجلة على الجهة الخلفية للبيت،حيث هناك جُرْن النحل، وعريشة الدوالي وقرامي الحطب، واطمأنّتْ على البقرتين المربوطتين في قاع الدار، ونظرتْ من فتحة الصّيرة إلى قطيع المعزى الهاجعة، واطمأنت أن كل شيء على ما يرام، رغم العتمة، ثم وَلجَتْ إلى البيت، ووضعتْ لَجَن الخبز على السّحّارة المركونة قرب الخابية، وأخذت منه نصف رغيف وغمّسته بزيت الزيتون، وهي تُدَنْدِن: "يا مْلَقْطات الزّتون من روس الجبال يا مِطِعْمات الطفاح للغالي". ثم تناولت كيس الدُّقة المعلق بالجدار، ورَشّتْ على نصف رغيفها زَلَفَة صغيرة. وتذكرتْ: "بعدنا ما عملنا دقة، بدي أشوف أم حسين ونطلع ع الوعر نجيب زعتر". ثم لفّتْهُ على قطعتين من الجبنة المشمولة، وزرّينِ من بندورة الحاكورة، وفي الحال قشّرت بيضة من البيضات المسلوقات منذ المساء، فعملت من ذلك كله زوّادة، ثم ارْتَدَتِ المخمل (ثوب الخطرة)، وهو الأثير لديها، وتعتزّ به كثيرا؛ فهو الوحيد للخطرات والأعراس، والوحيد من كل ثياب نساء البلد، المجلوب قماشه من ديار الحجاز، وهي تدّعي أنه من طراز ملابس المماليك. ثم طوّقت خصرها بالزنّار العكاوي، وحشر ت فيه صُرة من الملّات والقروش، وجَلبَت المِدورة وسلة البيض، وأخرجتْ تنكة الجبنة، فوضعتها على عتبة البيت.
أعدّت حسنة أغراضها تلك، كدأبها في كل خطرة خميس إلى زُمّارين، ثم اتّجهت إلى خُشّة الحِمارة، الملاصقة للبيت من الجهة اليسرى، وبجوارها يوجد خُمّ الدجاجات، تفحصّت بابه، فأغلقته، رغم أنه محكم الإغلاق منذ غروب شمس اليوم السابق. التقطت كمكوشة الحمارة المُلقاة قرب المِدود، وأخرجت الحمارةَ، وثبّتتِ الحِلسَ والخُرج عليها، ولا يفوتنا أن نقول أنّ اسم الشهرة لحمارة حسنة هو (السَّـــchـَــنِيّة)، فلا تُعْرَف أو تُعَرّف إلا بهذا الاسم.
وضعت تنكة الجبنة في بَتّة الخُرج اليمنى، وفي اليسرى حجرا معادلا لوزن التنكة، وعلى رأسها وضعت المِدورَة وفوقها السلة المملوءة بالبيض البلدي، ثم انحنتْ وتناولتْ الزوادة عن الأرض، ولم تنحنِ السلة عن رأسها لا يمينا ولا شمالا، وشَكَلتْ ثديَها الأيسر بيدها اليمنى متضرّعة بأجَلّ أسماء الله أن تتيسر أمورها ومشوارها، فمشَتْ الحمارة قبل أن تقول لها حسنة "كِكِكِكِكحا". وانطلقتا معا باتجاه البيادر التحتا، واستلمتا طريق المقبرة، متجهتيْن إلى زمارين، ثم دَلفَتا مع طريق العربات بين الجبال، وصارت البلد وحواكير البلد خلفهما. تركت خلفها عالما ساكنا، متدثرا بالليل، بدأت تدبّ فيه الحياة على مهل، وعما قريب ستجد عالما آخر، استيقظ فيه كل شيء، ونشطتْ فيه حياة الصباح. كان من المعتاد أن يخطر آخرون في ذلك الوقت، إلى جهة الغرب، لكنْ في تلك الساعة لم تصادف حسنة أحدا منهم. بدأ الليل يلملم أذياله ويغادر ببطء، مُفسِحا المجال لأصوات كثيرة، ولا شكّ أنها كانت تشعر بالطمأنينة حين تسمع أصواتا منطلقة من القرية، تخترق برودة العتمة في البراري: ديك يصيح، وحمارة تنهق، وبقرة تُهَمْهِم على صغيرها، وطفل يبعق بعقة، ثم يسكت، هذه الأصوات تروق للفلاحات الفلسطينيات، ما عدا قحقحة الرجال في الصباح. كم تكره النساء هذه العادة الصباحية القبيحة من الرجال!! ويشعرنَ بالحَرَج من بعبعة الفحل، وهو ينزو على العنزة، يُبَعبِع بشكل تظاهري، وبلا أدنى درجة من الحَياء. وبدأ الصبح يستيقظ متثاقلا متثائبا على وجنات الوعر وسفوح الجبال، وارتشف وجه حسنة بمسحة من الندى الممزوج ببرودة الليل، وقلبها مطمئن على وَقْعِ حوافر (السَّـــchـَــنِيّة) المنبعث من تحتها ذَرّات متطايرة من الغبار على الطريق الترابي.
لم تكن حسنة تُعير أيّ اهتمام إذا ما سمعت خرخشة أو دَبّة صوت قصيرة في الوعر، فهي معتادة على مثل هذه الأمور، لكنّ ذلك الهسيس الغامض بين الأشجار، الذي لا ينقطع، وبدا أنه يلاحقها من بعيد، أثار قلقها: "عززا شو هاظ، بسم الله الرحمن الرحيم". ثم صارت تُكرّر: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بحمايتك يا الله". ولا شكّ أنها سمعت العديد من قصص الناس مع الجنّ والغولة، لكنْ لم يذكر أحد أنه واجَهَ جِنيّة في هذا الدرب، ولم يحدث أن خرجت الغولة لأحدٍ ما بعد أذان الفجر، إلا أنّ حسنة شعرت بالخوف من ألفِ مجهولٍ، على الرغم من شخصيتها القوية، فهي المعروفة في البلد كلها بـ(الزّلّامية). أعادت قراءة "قل هو الله أحد" والمعوذّتين عدة مرات، وأدركتْ قصورَها في سورة "الكافرون، فلجأت إلى "إنا أعطيناك الكوثر"، ثم قرأت سورة الفاتحة بصوت مسموع، وباستعجال.
جفلت السـَchــــنيّة مرتين خلال الطريق، وفي الثالثة وقفت ورفعت أذنيها، وحدّقتْ بعينيها نحو غتلة بين الأشجار، كَمَنْ يحدّق في خطر داهم. حاولت حسنة أن توهِم نفسَها بالاعتقاد أن الأمر ليس أكثر من خنزيرة تقود صغارها، وتُنبّش عن طعام تحت الأشجار، لكنّ الأمر المحيّر أن الصوت يختفي إذا وقفت، ويعود إذا تحركت، فأدركتْ أن هذا الشيء المجهول يلاحقها، وربما يكون كلبا بلديا أو ذئبا جائعا، اشتمّ رائحة الجبن والبيض، فَلاحَقَ طعامَه، وبسبب نفور الحمارة المتكرر، فكّرتْ حسنة أن تلقي زوادتها على الأرض، كي ينشغل بها ذاك الحيوان، ريثما ينكشف ضوء النهار، لكنّ ذلك المجهول أصدر صوتا مبتورا وانقطع بسرعة، فليس الصوت شخْرة خنزير ولا مقطعا قصيرا من عواء ذئب، حاولت حسنة أن تقنع نفسها أنه ربما يكون ديك حَبشٍ تائه في البراري، لكن صوت الحبش غليظ يختلف عن هذا الصوت الرفيع الحاد، هذا مثير للرعب في هذا الوقت. ولم يكن بمقدورها أن تركّز أكثر لِفَهْمِ حقيقة ما يجري، فدبّ الرعب في قلبها، فكان عليها أن تقضي على هذا الخوف، قبل أن يقضي عليها، فوخزت السـَchــــنية بالكمكوشة، وقالت: "حاحا" بصوت عال، مَشَتِ الحمارة، فأكملتْ حسنة: "حااا ريتـِـch لابو ذراع يُنُبْطِــch امشي، شو مالــِch يا خوثة،كِكِكِكِكِك"، وهكذا حاولت أن تواجه الأصوات المجهولة بالكلام المألوف لدى حمارتها، وحاولت أن تسيطر على خوفها قبل أن يسيطر عليها، فلجأت إلى صوتها العالي وصياحها على الحمارة، لعل ذلك المجهول تخيفه هذه الأصوات العالية... وفجأة أحسّتْ بشيء ما يقترب ويتحرّك بموازاتها من بين أشجار السنديان والزرد، وبدا الأمر واضحا أنّ مجهولا يستهدفها، ونفرت السـَchــــنية ونَخَطتْ، لكنها أسرعت هذه المرة بالمشي، لم يَعُدْ بمقدور حسنة أن تسيطر على خوفها، فصارت تخربط بتلاوة "قل هو الله أحد"، ولم تَعُد تتذكر شيئا من السور القصار التي تتلوها كلّ مرة في صلواتها، وانعقد لسانها، فبدأتْ تلهَجُ مُتلعْثِمةً بما حفظته عن ألسنة النساء من أدعية التضرع إلى الله، وحاولت جاهدة أن تلجأ إلى الأولياء والصالحين الذين سمِعَتْ بهم، لكنّ ذاكرتها لم تسعفها في هذه اللحظات القاسية. وفوق هذا برزت مشكلة أخرى، فالحمارة [الســchــــنية] التي لم تعرف العصيان يوما ما، تمرّدت على الطاعة المعهودة عنها، فحاولت التفلّت من الرّسن، وأسرعت أكثر ، وبدا أنها تريد أن تهرب من المكان، فجذبتْ حسنة الرّسَن نحوها بشدة، فانجذبت الحمارة، ووقفت ورفعت أذنيها وذيلها، لكنها صارت تنْخَطُ وتقحطُ الأرض بحوافرها، وتُحرِّك رأسها وجسمها.
هذه الســchــنية ليست المـchــحَلّة، فرس الحج يوسف، التي ظلت واقفة يوما وليلة عند جثته في خلة البِس، عندما قتله جواسيس الإنجليز هناك، وكانت تهمهم وتدمع عيناها. ولا حتى مثل كلب الراعي أبو طقيعة، الذي دلّ أهل البلد على الهوّة التي وقع فيها صاحبه الراعي، عندما عاد مساء إلى الوعر، ليبحث عن عنزته الذنونية القرعة الذرية التي تخلّفتْ عن الشلعة، لِتَلِدَ في مكان ما.
وفجأة لفّت الســchــنية جسمها إلى الخلف وتحركت حركات عشوائية سريعة في المكان، فتعثّرتْ حسنة بحجر، وهي تحاول السيطرة على حمارتها، فوقعت السلة، وانكَفَت البيض على الدرب مفغوشا متكسرا، ووقع الخُرج عن ظهر الحمارة، واندلق الجبن، وانفلت الرسن، فتحرّرت الســchــنية من قبضة حسنة، وتحرّكتْ بسرعة إلى الخلف، فدلفت في مسرب ضيق، وغابت في غبش الليل، وظلّتْ تُسمَع طقطقة حوافرها على الحجارة. ارتبكت حسنة أكثر، ولم تدر ما الذي عليها أن تفعله، فنادَتْ حمارتَها بصوتٍ عالٍ: "قرو قرو قرو"، وهيهات مِن مُجيب. لم تعد حسنة تمتلك بيضا ولا جُبنا ولا حمارة، وفقدت قوتها وأملها، فاجتاحها ذلك الشعور المؤلم بالهزيمة،وأدركت معنى أن يُهزَم شخصٌ لم يعرف الهزيمة يوما ما. وبلا شعور صرختْ صرخة مدوية، إنها لم تعد تلك المرأة المعروفة بالزّلَامية، ولا تلك التي كانت تتوعّد الغولة بأنها ستسحق عظامها إذا صادفتها عند مغارة الميتة.
خرج ذلك الشيء من بين الأشجار وظهر على الطريق، فوقفت حسنة مشدوهة، واستحالت إلى تمثال يُحدّق بشيء ما، كان الشيء قبيحا داكن اللون، محدودب الظهر، ويعْرُج بقائمتين أعلى من الساقين الخلفيتين؛ عيناه تبرقان وشدقاه مفتوحان على أنياب كبيرة، ويزمجر كضحكة مستهزئٍ ثقيلِ الدم، أو كزغرودة مبتورة لطير أرعن، تأخر عن مبيته بعد غياب الشمس، فيمرّ سريعا نحو الوكر. ها هي المرة الأولى التي تقابل فيها حسنة ضبعا وجها لوجه، هي رأت ضبعا ذكرا مقتولا فيما مضى من سنين، لكنْ أن يأتيَ هذا الشيء لقتلِها هي، ويكون بهذا الحجم، وهذه البشاعة، هذا ما لم يخطر لها أبدا، فلم تَدْرِ ما تفعل، وانعدم تفكيرها، وخرس لسانها. تقدّمت الضبع بخلسة، واقتربتْ أكثر حتى وصلت إلى الجبن والبيض المدلوق،فلعقت قسما من البيض بسرعة، وقضمتْ قرصا من الجبن وطرحته جانبا، وزمجرتْ، ثم دارت حول حسنة نصف دائرة، ثم تراجعت خطوتين، ثم أكملت الدورة، كان يمكن للضبع أن تكتفي بالطعام المدلوق: خبز وجبن وبيض، لكنها على ما يبدو تطمع بكل شيء حتى اللحم البشري. 
وانتشرت رائحتها الكريهة في المكان، ولمع بريق عينيْها بكلّ قُبْح. وحسنة جثة واقفة، جامدة في مكانها، لا تفعل شيئا، وكأنّ زمنها قد توقّفَ. لقد تغلغل الإحساس بهاجس الموت في نفسها، واجتمعت مفاهيم الخوف والوحدة والهزيمة والذهول والحيرة والحزن والانكسار والاضطراب والارتباك في نفس فقدت كل مقومات حياتها، في تلك الأثناء.
وبعد برهة من زمن متوقف أدركتْ حَسْنة أنه يتوجب عليها أن تقاوم هذه المشاعر القاتلة، وعليها ألا تموت بهذا الحال، عليها أن تقاوم بأيّ شيء هذا الشيء الذي جلب لها كل هذه المصائب. عليها أن تستعيد وعيها الكامل في مواجهة عالم لا يعي إلا الافتراس والقتل والموت. هكذا يتوجب عليها أن تكون أقوى من الضبع، وأنه ليس أمامها إلا أن تبقى ثابتة صامدة في مكانها، كالصخور المحاذية لهذا الدرب، هذه الصخور التي عرفتها وأنِسَت بها منذ كانت طفلة تذهب مع جدّتها إلى زُمّارين. فكان عليها أن تستعيد صلابتها وشجاعتها. فالشجاعة لا تعني عدميّة الخوف، بل تعني محاولة الانتصار على هذا الخوف.
فجأة تقدمت الضبع نحوها حتى لامسَت ثوبها المملوكي وشَمّتْهُ، وتراجعت بسرعة خطوات عديدة، ثم زمجرت بتقطّع، وتقدمت بسرعة،ونتشت أسفل الثوب، فتمزّق جزء بسيط من طرفه، ثم تراجعت، وراوغَتْ عدة مرات، كي تزرع في نفس ضحيّتها الرعب والخوف، تمهيدا لسَلبِ عقلها، وعملية سلب العقول البشرية هذه مقدمة للسيطرة الكاملة على الضحية واقتيادها. وإليكم الحكاية الشعبية حول الشخص المضبوع، فالشخص المسلوب عقلُه يركض خلفَ الضبعَ، ويناديه: "يابا يابا"، حتى يصل إلى الموكرة، فإن كان بابها واسعا يدخل، وهناك تنتظره الضباع، فتمزّقه، ولا تنتظر موته، بل تبدأ بأكلِه وهو حيّ، أما إذا اصطدم رأسه بباب المغارة، ونزل الدم فإنّ عقله سيعود إليه مباشرة، فيهرب من المكان بسرعة، أو يغلق الباب بالحجارة، وينتصر على الضباع. وهكذا وفق هذه الرواية فإن حسنة ذات الرِّدف الواسع والمكتنِز ستكون وجبة دسمة للضباع، لو نجحتْ خطتهم في السيطرة على عقلها واقتيادها. 
كثيرا ما كان الناس يكررون حكاية ابن الشيخ المضبوع، الذي تأخّر في العودة إلى البلد، وفي الليل سمعوه ينادي "يابا يابا"، فهبّوا لنجدته وتخليصه من الضباع، لكنهم لم يعثروا عليه، ولا أحد يعرف مصيره حتى اليوم. الناس يذكرون اسمه (ابن الشيخ) وكفى، ولا يعرفون عائلته، ولا يُعرف له أخوة أو أبناء، ولا حتى أبَوان، رغم أنهم يقولون إنه من أهل البلد، فهو ابن الشيخ وكفى. وأنا أيضا لا أدري لماذا اختارت جماعة الضباع أنثى لتنفيذ المَهمّة، أو كيف استطاعت حسنة نفسها أن تحدّد أنّ المهاجم كان أنثى في بداية الهجوم في ذلك الغَبَش المتبقي من الليل.
لا تتذكر حسنة أنها وقعت على الأرض، وكيف وقعت، لكنها تتذكر أنها أفاقتْ على اصطدام رأسها بصخرة ثابتة على أرضية الدرب، وكانت الضبع تزمجر بقُبْح، وبرزت أنيابها واضحة. التقطتْ حسنة حجرا، ليس لضرب الضبع، ولكنْ لتشجّ رأسها هي، كي ينزل منه الدم أكثر، فلن تستطيع الضبع أن تسلب عقلها وذاكرتها، مهما استخدمت من أساليب المراوغة والترهيب، ولا أن تقتادها إلى المغارة.
ونزفَ دم حسنة العبد على وجهها المندّي، وامتزج بالندى والعرق الراشح، وذرّات التراب على وجهها، ثم التقطت حجرا أكبر ، وهجمتْ به على الضبع، هجمت كالثور الهائج، فضرَبَتْها به، وأمسكت برأسها وشدّتْ على فكّيها القويين بيديها القويتين. وطرحتها على الأرض. رأسها كان كبيرا صلبا، وأذناها قبيحتيْن، وعنقها غليظة متماسكة، وشعرها خشنا داكنا. ضغطتْ حسنة بِرجْلِها اليسرى مَثْنِيّةً على عنق الضبع، وباليمنى ثبّتتْ الظهر والبطن، وفي لحظات فكّتْ زنارها العكاوي بيدها اليسرى، وانتشلت الصّرّة ولقمت بها فم الضبع، فأطبقت الأخيرة فكّيها عليها، ولفّتْ حسنة طرفَ الزّنّار بسرعة حول رقبة الضبع، ثم مَرّرَتْه بين قائمتيها، وشدّتْه حول بطنها وظهرها، فضغطت الرقبةَ باتّجاه اليدين والبطن، وقلبت الضبعَ على ظهرها، وشدّتها إلى حجر كبير، كانت قوائمها تتلاوح في الهواء، ثم جمدت دون حراك. وذيلها التي كانت مرفوعة عند بدء المعركة، سكنت ملتوية بين فخذيها، وسقطت الصّرّة من فمِها، وتحوّلتْ زمجرتها إلى عواء مُتَشَكّ حاد. ثم أطلقت حسنة صرخة أقوى من زمجرة الضباع، تجاوبَ لها وادي السنديانة، وزعقت معها الشحارير بصخب. وانطلق ثعلبٌ وذئب هاربيْنِ من المكان، بسرعة تفوق سرعة السّــchــنيّة، وسَمِعَ رُعاة البلد تلك الصرخة الحادة القوية، وصاحت الديوك، واشتمت الأبقار رائحة الضباع، فهاجت وماجت، وانفلتت من مِقيَل العجال، وتدافعتْ على الدرب إلى جهة الغرب، باتجاه انبعاث الرائحة، وهجم الناس المستيقظون، ولم يكن لديهم الوقت لإيقاظ النيام، واستحال سُعال الرجال إلى صوت هادر، وأصغى الأطفال وأنصتوا عندما أطْلِق عيار ناريّ واحد فقط...ثم طلعت الشمس.