عام أخير لعباس ؟ !


آخر تحديث: March 12, 2018, 11:43 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

رغم أن الأطراف المعنية لا تظهر للعلن رغبتها أو نيتها أو حتى توقعها, باختفاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن الساحة السياسية, قريبا, أي خلال هذا العام, أو العام القادم على تقدير أبعد, إلا أنه بقليل من التمعن فيما بين حروف التصريحات السياسية, أو فيما بين سطورها, يمكن القبض على أن ترتيبات ما بعد عباس في الوضع السياسي الفلسطيني الداخلي, باتت تقترب كثيرا من أن توضع على طاولة معظم إن لم يكن كل الجهات المعنية .

فحتى الأعداء, يدركون أنه حين يختفي الرجل الأول من على مقعد الحكم في النظام الشرقي المستبد, أي الذي يتمركز على رجل واحد, هو رأس النظام, كما هو الحال في الواقع الفلسطيني أيضا, فإن الوقوف عند الرجل التالي, وريثه أو من سيخلفه في منصبه أو في مجموعة مناصبه, أمر بالغ الأهمية حتى لا تقع البلاد في الفوضى, أو أن تخرج عن السيطرة, وبالطبع المقصود هنا, هو الجهة أو مجوعة الجهات التي تسيطر .

قبل أربعة عشر عاما, وتحديدا في الحادي عشر من شهر تشرين ثاني من العام 2004, توفي الزعيم التاريخي ياسر عرفات, ورغم أن موته لم يكن مفاجئا, فقد كان الرجل قد تقدم في العمر ( 75 ) عاما,  ثم حوصر, أو فرضت عليه الإقامة الجبرية, في مقر المقاطعة برام الله, وهو الذي عانى من أمراض عديدة منها نزيف الجمجمة, والرجفة العامة, ثم ظهرت عليه أعراض التسمم, حين تدهورت حالته الصحية, رغم كل ذلك, فإنه لم يكن له نائب لا في منصب رئيس السلطة ولا في منصب رئيس م ت ف ولا في منصب رئيس حركة فتح, لذا فحتى لحظة وفاته لم يكن أحد من عامة الناس يعرف من هو خليفته, إلى أن أعلنت عنه فتح أولا, ثم ذهبت بمحمود عباس إلى انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية .

في السلطة وحسب ميثاقها الأساسي, فقد تولى رئاستها لمدة ستين يوما, رئيس المجلس التشريعي في ذلك الوقت الأخ روحي فتوح, ثم جرت انتخابات رئاسية لم تشارك فيها حماس والجهاد, وفازت فيها فتح ممثلة بشخص محمود عباس, الذي صار بعد ذلك تلقائيا رئيس م ت ف, ومن ثم رئيس حركة فتح, ورغم أنه تم انتخاب نائب لرئيس حركة فتح في مؤتمرها السابع الذي أنعقد في تشرين ثاني 2016, إلا أنه بعد نحو عام ونصف لم تظهر أية علامات تقول بأن نائب رئيس الحركة سيتحول تلقائيا إلى رئيسها حين يكون مقعد الرئيس شاغرا بالوفاة أو الاستقالة .

ملخص القول: أنه ليس هناك نائب لمحمود عباس في مناصبه الثلاثة الرئيسية, وهي: رئيس حركة فتح, رئيس السلطة الفلسطينية, ورئيس م ت ف, وفي حالة وفاته أو استقالته أو إقالته منها, فإن المواقع ستكون شاغرة, وشغورها يشلّ القيادة السياسية عن اتخاذ أي قرار أو حتى عن قيادة الواقع الفلسطيني, خاصة وأن لإسرائيل قدرة مقررة على إجراء انتخابات رئيس السلطة, بدرجة كاملة وبدرجة أقل انتخابات حركة فتح وانتخابات م ت ف, وإذا منعت إسرائيل إجراء الانتخابات, فإن منصب رئيس السلطة الذي سيتولاه عبد العزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي أو حتى ربما أحمد بحر, المهم أن تتولاه حركة حماس, سيظل فيه إلى حيث لا احد يعلم إلى متى .

لذا فإن ترتيب الأمر, الآن الآن وليس غدا, كما تقول أغنية فيروز, أمر في غاية الأهمية, حتى لا تعم الفوضى التي بالتأكيد الحالة الفلسطينية هي بغنى عنها, وحتى لا يستمر الفراغ السياسي, الذي ربما يكون من شأنه أن تتلاشى م ت ف , أو أن تنهار السلطة, وحتى أن تتشظى فتح إلى أكثر من قطعة .

الرجل نفسه في اجتماع المجلس الثوري الذي انعقد مطلع شهر مارس/آذار الحالي, لمّح لهذا الأمر, حين قال مخاطبا المجتمعين, هذا آخر اجتماع لي بكم, وحيث لم يكتف بهذا بل إنه حسب وصف صحيفة الرأي اليوم الأردنية واستنادا إلى مصادر وصفتها بالموثوقة فإن عباس كان في اجتماع الثوري محبطا ويائسا .

كثير من المتابعين يعيد اختفاء عباس عن الساحة السياسية إلى احد احتمالين: فإما أن يستقيل بسبب الضغوطات السياسية عليه من كل اتجاه, أو أن يموت, لكنه هو رجح احتمال الوفاة, وأصر على البقاء وعدم التنحي, حيث قال: قد يكون هذا لقائي الأخير معكم, والأمر بيد الله, وإطلاقا لن أنهي حياتي بخيانة, بما يعني بأنه لن يقبل بالتوقيع على الخطة الأمريكية, المسماة صفقة العصر, ولهذا السبب أو لسبب يتعلق بشيخوخته وصحته, فهو يرجح أن يذهب بفعل الوفاة الطبيعية أو بفعل فاعل .

من الطبيعي والحال هذا أن تناقش الهيئات والجهات المسئولة هذا الأمر, ذلك أن مصير الوطن والقضية أهم بكثير من الأشخاص, وحتى أن الموت حق على كل البشر, لذا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يتم ترتيب الوضع الداخلي بما يأخذ بعين الاعتبار خروج عباس من المشهد السياسي, فحتى إسرائيل حسب هارتس أشارت إلى أن صحة وأداء أبو مازن الذي لوحظ أنه قد ظهر عليه الضعف الجسماني وصعوبة النطق وضعف التركيز, قد نوقشت على المستوى الأمني والسياسي في إسرائيل .

على الصعيد الرسمي الفلسطيني فان هذه المسألة تعتبر صندوقا أسود لا يجوز التعرض له أو مناقشته, حتى لا تنتقص سلطة الرئيس المطلقة, لكن هناك ما أشيع مؤخرا, عن أن مصر ناقشت مع قيادة حماس, فكرة تولي شخصية مستقلة (سلام فياض, حنان عشراوي, مصطفى البرغوثي) رئاسة المجلس التشريعي مقابل السماح بعقده كما تريد حماس, لكن حماس رفضت, لأنها تنتظر على أحر من الجمر, هذه الفرصة أي لحظة موت عباس دون ترتب الوضع الداخلي مسبقا, وهكذا فان انشداد قيادات فتح السلطوية لمكاسبهم الشخصية كما أدى إلى خسارتها انتخابات عام 2006 بسبب النظام المختلط, فإنها بعدم ترتيب الوضع الداخلي ستفتح الباب واسعا, لتولي حماس رئاسة السلطة بشكل تلقائي, وربما أبدي .