الأبله


آخر تحديث: March 10, 2018, 3:47 pm


أحوال البلاد
بقلم: جمال بنورة

في موقع يتفرع عنه أكثر من طريق في الحارة الشرقية من البلد، زحزح رضوان حجراً كبيراً الى طرف الشارع وجلس عليه. وبعد ذلك صار مجلسه المفضّل عصر كل يوم، عندما تندلع المظاهرات بعد ان يقوم بجولته الصباحية في أنحاء البلد..فيدخل أيّ مكان يعجبه دون ان يلقى أية معارضة، يداعبه البعض بقصد التسلية والتندر، ويسأله عمّا يعلمه من أخبار، فيفاجئهم بخبر يتعجبون له ويكون جديداً عليهم..فهو يهتم بأخبار البلد والعالم. يُكثر من الأسئلة، ويجمع معلوماته من هنا وهناك، يشتري الجريدة ويقرأها رغم تعليمه البسيط، الذي لم يتجاوز المرحلة الإبتدائية. في المساء يضع أذنيه مُنصتاً الى جانب الراديو او التلفزيون، ثم يفاجىء من لا يتابعون الأحداث بأخباره الجديدة، ومعلوماته الطازجة، ولذلك فهو مُلم بأخبار البلد وأخبار العالم، وهو يستطيع ان يُخبرك ماذا قال شولتز في مؤتمره الصحفي، وماذا صرّح ابو شريف وما هي الحلول المطروحة للقضية حتى خطة رابين الأخيرة.
وعن أخبار البلد، فهو يعلم كل شيء تقريباً، يستطيع ان يقول لك أنّ فلاناً ابن فلان..وهو ما لا تعلمه انت قد اعتقلته السلطات عن الجسر وهو عائد بعد تخرجه من الجامعة الأردنية. أو انّ الدكتور الفلاني قد خرج من السجن بعد اعتقال اداري لمدة ستة شهور. وعن الأخبار الإجتماعية يستطيع ان يقول لك انّ هناك علاقة حب سينجم عنها زواج في القريب العاجل.. فهو يكاد يعرف كل شخص في البلد ومركزه ومسؤوليته..ومعلومات إضافية عنه.. ولا يعرف احد كيف يصل الى هذه المعلومات.. الاّ أنّ البعض أخذ يشك بأنّ هناك من يزوّده ببعض المعلومات بقصد ترويجها في البلد.. إضافة الى حب استطلاعه وكثرة أسئلته.. ويتبيّن دائماً انّ معلوماته صحيحة مئة بالمئة..
ويمرّ شخص برضوان وهو في مجلسه المفضّل فيقول لنفسه: لابدّ انّ مظاهرة ستحدث اليوم.. والاّ لماذا يجلس هنا..؟
وعندما يحاول التأكد من ذلك يسأل رضوان :
- هل ستحدث اليوم مظاهرة يا رضوان؟
فيردّ بلهجة من لا يريد إفشاء سرّ، ويتحدّث وفمه يبدو منتفخاً كأنه مليء بالطعام: 
- أنا شو عرّفني..!
- وما هي آخر الأخبار عندك؟
فيجيبه متفاخراً:
- انت مش في البلد..؟ مااعرفتش انّه..
ثم يقص عليه آخر خبر وصل إلى علمه..حتى قال البعض:
- إنه يتظاهر بالهبل.. فهو أذكى منّا جميعاً ويعرف كل ما يجري من أحداث.
وتأكيداً لذلك، يحلف البعض انّ المعلومات التي يعرفها رضوان لا يعرفها هو.
وهو بالفعل كان ذكياً في طفولته.. ولكنه أصيب بمرض أوصله الى هذه الحالة التي يسمونها في الطب عدم التناسب في نُموّه، أو تخلف نموّه العقلي عن نموه الجسدي والزمني، ولكنه بذكائه البسيط الذي ظلّ يختزنه من طفولته- وهو قد جاوز العشرين الآن- يستطيع ان يحتفظ بكل هذه المعلومات التي تختزنها ذاكرته.. رغم أنّه لم يستطع الاستمرار في تحصيله العلمي.. فهو تصيبه حالة تجعلك تحس أنّه أصبح بعيداً جداً عنك.. ولا تستطيع ان تردّه الى العالم الحقيقي.. فهو يعيش في عالمه الخاص والغامض معاً.. ويبدو أنّه لا يستطيع ان يتابع معك ما تقوله له، وكل ما يُميّز ذكاءه أنه يسمع خبراً ويحفظه.. ويستطيع ان ينقله لك في أيّ وقت تشاء.
ولعله بسبب هذه الحالة او لسبب آخر..أنّه اذا ابتدأ في التهام الطعام، فإنه لا يستطيع أن يتوقّف عن تناوله كأنه لا يحس بالشبع مما أدّى الى سُمنته المفرطة، التي أضرّت بصحته أيضاً مما اضطرّ أهله الى إخفاء الطعام عنه أحياناً.
***
جلس في مكانه المفضّل، وبدأ يهرش أنفه حيناً، ورأسه حيناً آخر، وهو يراقب الطريق التي يأتي منها الجيش.. بعد ان دحرج عجلاً وأخفاه وراء سنسلة في انتظار الشباب لاستعماله في المظاهرة. وأخذ يدندن لحناً لأغنية لا تفهم لها أوّلاً من آخر.. كأنه يحاول ان يطرب نفسه، أو يتحدث الى نفسه بطريقة الغناء، عندما لا يكون هناك ما يفعله.
وقد بدأت مشاركته في الإنتفاضة، وحدّد لنفسه موقفاً منها بعد ان ضربه أحد الجنود لأنه رفض ان يزيل الحجارة من الطريق. وأخذ يبكي مثل طفل، فأخلى الجندي سبيله. وبعدها تعلّم ان يضع الحجارة بنفسه، ورآه الشباب يفعل ذلك فقال له أحدهم:
- لماذا تفعل ذلك؟
- عشان أسدّ الطريق عالجيش.
- لمّا يكون في مظاهرة بتحط حجار.
- وانا شو عرّفني؟
- احنا بنقولك.
ثم صار يحضر إطارات السيارات من الوادي القريب، ويدحرجها حتى يصل بها الى الشارع ويخفيها في مكان آمن،فتكون جاهزة عندما يحتاجها الشباب. ورآه الجيش يتواجد في مكان المظاهرة دائماً، وسألوه عمّا يفعل هناك.
- بتفرّج!
ثم سألوه عن الشباب بلهجة تهديد، فردّ قائلاُ:
- أنا هبيلة بعرفش حدا!
فصفعه أحد الجنود وهدّده.
- انت بتعرف مين بضرب حجار عالجيش..! قول مين والاّ بطخك..
خاف من الجندي وقال وهو يبكي:
- أيوه..
انفرجت أسارير الجندي، ونادى جندياً آخر يفهم العربية أكثر منه، وقال له مشيراً الى رضوان..
- هذا بعرف مين بضرب حجار.
نظر اليه الجندي بشيء من الإشمئزاز كأنه لا يصدّق ذلك، وهزّ رأسه متسائلاً بنظرة شرسة.
- انت بتعرف..؟
لوى الجندي الآخر يده، فكاد يحس أنّ يده ستخلع من مكانها.
- أيوه..بعرف..
- مين هم؟
قال وهو يبكي ويمسح دموعه باليد الأخرى:
- الشباب الملثمين..
- مين هم؟..أعطيني اسم واحد منهم؟
- أنا شو عرّفني.. همّ بغطوا وجوههم.. كيف بدّي أعرفهم!!
ورآه الشباب يتحدّث مع الجيش فخافوا منه.
- إذا قلت عنّا للجيش بنقتلك.
- أنا لو بطخني الجيش، بقولش عنكو.
- خليك مليح معانا..
- ما هو أنا بحط حجار في الطريق.. بس بقدرش أطارد مثلكو وأرمي حجار عالجيش..
وأخذوا يضحكون منه.
- طيّب خلّيك هيك!
- انتو ليش بتضحكوا عليّ؟
- احنا ما بنضحك عليك.. احنا مبسوطين منك.
قال بزعل:
- انتو أحسن منّي..عشان هيك بتضحكوا عليّ..
-لا. انتَ أحسن منّا..
قال يحاول استرضاءهم حتى لا يتهكموا عليه:
- بدكوا أجيب عجال؟
- لمّا بدنا نسوّي مظاهرة بنقولك تجيب عجال.
تعوّد الجنود ان يروه ولا يعترضونه.. وفي منع التجول خرج يسير في الشارع.. فهو لا يفهم أنّ هناك منع تجوّل.. ولا يستطيع احد ان يُقيّد حريته، فكان يخرج مغافلاً أهله، فصار البعض يتندر قائلاً:
- رضوان معه تصريح بالتجوّل من الحاكم العسكري.!!
ورأته الدوريّة، فلم يعترضوه، ولكنهم سألوه عن بيت أحد المطلوبين. وكان قد خرج لتوّه من نفس البيت، فقد كان ينقل بعض الأغذية من بيت لآخر.. قال لهم:
- أنا هبيلة.. بعرفش حدا..
***
ومرّ به رجل في جلسته فسأله:
- ليش قاعد هانا يا رضوان؟
لم يرد.
- إذا أجا الجيش بضربوك.
- بهمش لو ضربوني الجيش.. بس الشباب يشردوا.. الله يقوّيهم الشباب.
- يعني انت بتحب الشباب؟
- آه..بحبهم..
- وهمّ بحبوك؟
- بعرفش..اسألهم!
- الجيش بسجنك بعدين..
- لا.. بخرفونيش.. مانا هبيلة..
***
أراد أحد الجنود ان يرشوه بالنقود، لكي يعترف على الشباب.
- أنا شو بدّي في المصاري..؟
سأله الجندي:
- طيّب انت ليش هانا لمّا بصير مظاهرات؟
- أنا بتفرّج..شو بدك في؟
- بتصيبك رصاصة.. بتموت..
قال وهو يهز ّيده بعدم اكتراث:
- الموت أحسن من العيشة معكو..!!
***