المسرحي جو قديح يفتح أبواب الملاجئ اللبنانية


آخر تحديث: March 9, 2018, 1:19 am


أحوال البلاد

 

يعود جو قديح بعمل مسرحيّ جديد للعام 2018 بعنوان «أبو الغضب»، ويقدّم قديح العرض بمفرده على مسرح الجمّيزة. فيطرح المخرج والممثّل والكاتب المسرحيّ قديح ضربًا من ضروب النوستالجيا والحنين والعودة بالذاكرة إلى أيّام الحرب الأهليّة اللبنانيّة. وبدلاً من أن تكون هذه العودة إلى الوراء مخصّصة لوصف ساحات القتال والمعارك، يختار قديح أن يعود إلى قصص الملاجئ الطريفة وخِصال الجيران والأهل، ليتحوّل أبو الغضب إلى شخصيّة ظريفة بعيدة عن «أبو الغضب» المتعارف عليه. ولمن لا يعرف «أبو الغضب»، فهو لا يعرف شيئًا فعليًّا عن جوّ الحرب اللبنانيّة. فأبو الغضب هو كليشيه كلّ مسلّح شارك في الحرب اللبنانيّة مهما كان الحزب الذي ينتمي إليه ومهما كانت الجبهة التي يقاتل عليها.

أبو الغضب هو «الأزعر» الذي يذكره جيل الحرب والموجود في كلّ الأحزاب. في كلّ حزب «أبو الغضب» وفي كلّ حيّ وخلف كلّ متراس «أبو الغضب» مرعب ومخيف و «زعيم» للشلّة. «أبو الغضب» هو كلّ وجه على الحاجز، كلّ شاب ملتحٍ يحمل سلاحه ويدّعي أنّه يحمي منطقته. «أبو الغضب» هو كلّ رجل ضحكوا عليه وظنّ أنّه مَلَكَ العالم لكنّه في الحقيقة خسر نفسه وخسّر البلد أهلَه وابتعد بالبلد سنواتٍ ضوئيّة عن الحضارة والرقيّ.

بينما يوحي العنوان بسردٍ لأخبار الحرب ووصف للمشهد العامّ للحرب اللبنانيّة ما بين عامي 1975 و1990، يجد المتفرّج نفسه أمام نزول إلى ما هو تحت الأرض: الملاجئ. ينزل قديح بمشاهده إلى الملاجئ، فيصف أهلها وأخبارهم ونهفات لياليهم ونهاراتهم. يصف كلامهم ونكاتهم، يصف لعب الورق وبرامج التلفاز وعلب البسكويت والنزول الطارئ إلى الملاجئ عند انطلاق صوت الرصاص.

يتوقّف قديح عند الإعلانات والبرامج التلفزيونيّة، يتناول أخبار المدرسة والراهبات والقصاصات التي كانت معتمدة آنذاك والملاجئ التي كانت موجودة في المدرسة حتّى، وذلك كلّه في نصّ أراده شخصيًّا ذاتيًّا يعود عبره إلى حقبة معيّنة من حياته.

لغة طريفة وأخبار مضحكة يمكن المتفرّج أن يقهقه لدى سماعها لأنّها لطيفة وخفيفة. ولكن ماذا لو طرق قديح الموضوعات الجدّيّة المتعلّقة بالحرب؟ ماذا لو تحدّث فعليًّا عن «أبو الغضب» وعن الذعر الذي كان ينشره حوله؟ ماذا لو لم يختبئ قديح خلف قصصه المضحكة وغطاء الظرف الذي التحف به؟ أتراه المجتمع اللبنانيّ كان ليحتمل الصدمة؟ أتراه المتفرّج كان ليحتمل أن يرى فعليًّا أنّ كلّ واحد من جيل الحرب كان «أبو الغضب» على طريقته؟ كلّ لبنانيّ كان «أبو الغضب» بانجراره خلف الأحزاب والمليشيات ورقصات الأسلحة في مرحلة من المراحل. اختار قديح العنوان لكنّه لم يكمل رسم هيئة طيف «أبو الغضب» فتفادى إظهار الرعب والخوف اللذين كان يثيرهما هذا الاسم.

توقّف قديح عند الأمور الهادئة التي كانت تجمع اللبنانيّين آنذاك، من «بوش مع نينكس ما في» فـ «بطّاريات البيل» إلى غيرهما من الأدوات الصغيرة التي تدغدغ الذاكرة. أتراه شاء لنصّه أن يكون على هذه البساطة والخفّة لأنّه علم أن المجتمع لن يحتمل أخبارًا قاسية؟ أتراه خشي ردّ الفعل السلبيّ تجاه الحقيقة؟ أتراه تفادى فخ الوعظ والتوعية الاجتماعيّة، توعية نحن في حاجة إليها في ظلّ أجواء مشحونة بالتقلّب والتوجّس؟

يستحضر قديح في مسرحيّته «أبو الغضب» أخبار أهل الملاجئ بنكاتهم واهتماماتهم وعاداتهم ويهرب من مأساة ما هو فوق الأرض. يقدّم قديح مونولوغًا زاخرًا بالجمل المقفّاة على خشبة مسرح فارغة: كلامه وحده هو الديكور الإضاءة والشخصيّات. كلامه وذكرياته يملآن الفضاء المسرحيّ الغارق في شبه عتمة صامتة.

يجمع جو قديح مقتطفات ومعلومات جميلة عن فترة الحرب اللبنانيّة القبيحة ويعرضها بسلاسة مضحكة إنّما في شكل قريب المتناول وموغل في الخفّة، خفّة كان يمكن تفاديها وجعل النصّ أكثر متانة وعمقًا. ففي ظروف يتأرجح فيها البلد بين الغضب والاستسلام، أمام شباب عالق بين الرغبة في التغيير والميل إلى الهجرة كان من الحسن لو أنّ جو قديح «شدّ عصب» نصّه قليلاً ليجعل جوهره أكثر حنكة وأشدّ وهجًا ورؤيويّة.