يوليوس قيصر


آخر تحديث: February 17, 2018, 7:50 pm


أحوال البلاد

أيتها المؤامرة أتخجلين أن تبرزي جبهتك الربداء في غياهب الليل عند منبث عوامل السوء , وتفشي كل آفة منكرة وسوءة خبيثة؟ فليت شعري إذا طلع عليك النهار وسطع على عوراتك ضياؤه , أين تجدين من الغيران والكهوف ما يستطيع أن يخفي صورتك الشنعاء بظلمته , ويخبئ طلعتك النكراء في غيابته ؟ لا تبتغن مخبأ أيتها الؤامرة ولا تلتمسنّ مستترًا , ولكن احجبي وجهك البشع المخوف بخمار البشر والبشاشة; لأنك إن برزت في سحنتك الحقيقية فلن يسترك عن مستشف النظرات الثاقبة قعر الجحيم بحالك ظلماته .يوليوس قيصر عظيم الرومان ولد سنة 100 وتوفي سنة 44 قبل الميلاد.وهو أول من أطلق على نفسه لقب: إمبراطور . ويعتبر يوليوس قيصر من أبرز الشخصيات العسكرية الفذة في التاريخ وسبب ثورة تحويل روما من جمهورية الى امبراطورية. يوليوس قيصر قتل غدراً بالرغم من كل ما أنجز لشعبه وبلده، لكن الطمع والجشع، وحب السلطة والثروة قاد المقربين منه للتخطيط واغتياله. كان أخر من طعنه أحب أصدقائه إليه ومحل ثقته، والشخص الأقرب إلى قلبه “بروتس” عند طعن (يوليوس قيصر) نظر في عيني صديقه وقال له: حتى أنت يا بروتس, اذا فليمت قيصرهذا الوضع شبيه بقول الحلاج :لم تجرحني الحجرة التي رماها العدو
بل جرحتني الوردة التي رماها الصديق.فما بال قيصر يتجبر علينا إذن ؟ يا للمسكين ! إني موقن أنه ما كان ليصير ذئباً لولا أنه لا يرى الرومانيين إلا نعاجاً ، وما كان ليغدو ضرغاماً لو لم يكن الرومانيون وعولاً ..
إن الذين يتعجلون إضرام النار إنما يبدءونها بضعيف القش ، فأية حثالة غدت روما .. حين تتيح لعامة الشعب أن يعمل لتأجيج وتمجيد شئ تافه كقيصر ؟ أي شئ في قيصر ذاك ؟ لماذا ينبغي لذلك الإسم أن يكون أجرى على الألسنه من اسمك !؟ " والرواية وتكسر قاعدة مهمة تقول انه لا يمكن ان يجتمع الشئ ونقيضه في آن واحد .. ففي هذا العمل اجتمعت بداخلي كتير من المشاعر المتناقضة .. فأنا أكره قيصر مرة ، وأتعاطف معه في موقفِ آخر .. وارى موقف بروتس ومن معه موقف بطولي مرة ، وموقف غدر وخيانة مرة .. أن تجتمع كل هذه المتناقضات مرة واحده ، فتجعلك في لهفة لمعرفة باقي الأحداث ، وفي تركيز كامل لمعفة مغزى كل جملة وكل كلمة .. هذا هو الجمال بعينه !!.أكثر ما اعجبني في هذا العمل هو القدرة الرائعه في التحليل النفساني .. فهنا الشخصية هي التي تصور الحدث ، لا العكس .. فما يكاد يتحدث أحد الأشخاص حتى يظهر كل ما يضمره ، وكل ما يخفيه بداخله .. أما عن المتناقضات .. لا بد أن شكسبير كان خبيراً بهذا التناقض الذي يجول بداخل النفس البشرية ، فأنت ترى الشخص يقول شئ في موقف ويقول عكسه في موقف آخر .. وغالباً ما يكون هذا التناقض نابع من تيه نفسي وعقلي ، أو تردد تجاه هذا الموقف مثلما حدث مع بروتس وكاسيوس
لذلك كان هناك إكثار في المتناقضات من الأقوال والأعمال .. قد تجعلك في موقف صعب لمحاولة التوفيق بين الكثير منها .ومن اراد ان يخرج من هذه المسرحية بمعلومة ثابتة عن قيصر سيفشل .. سيخرج من المسرحية وهو لا يعلم من هو قيصر ، ولا موقفه منه .. أأنت معه أم ضده ، فتارة يمدحه صديقه وحبيبه انطونيو ، وتارة يمدحه خصومه والمتآمرون عليه بدعوى انه ضعيف او انه يطمع في الملك أو الخوف من أن يزداد عظمة فيتطرف .. أي ان حتى خصومه يمدحونه وفي الوقت نفسه يظهر لك قيصر بكلامه المغرور وعظمته يتحدث بأنه أكبر من الجبن ، وأعلى من الكذب .. يزداد غروراً قبل موته . حتى في خصومه واعداءه إما غبي مثل كاسكا او خبيث داهية مثل كاسيوس أم نبيل وطيب وذكي ومتردد مثل بروتس . ولأن شكسبير بارع في التحليل النفسي لشخصياته ..فاستطاع ان يظهر الجماهير في حقيقتها الكاملة ، الجهل والتقلب والهمجية .. واظهر ذلك في المشهد الذي قام فيه الجمهور بالاعتداء على شخص اسمه مشابه لاسم أحد المتآمرين .. هي شهوة التعطش للدم وهمجية غير مبررة واظهر حقيقتهم الدائمة .. في انهم قد ينضموا لمعسكر من المعسكرات بمجرد ان يحسن صاحبه الخطبة والكلام .. ولا يهتموا بمعرفة الحقيقة كاملة سواء من هذا أو ذاك. في النهاية شكسبير يجعلك تدرك حقيقة كل شخصية .. بلا استثناء لدرجة انه يضيف الى المسرحية مشاهد لا لا وظيفة لها سوى أنها تساعده في تشريحه النفسي لهذه الشخصيات كما حدث مع زوجة بروتوس أو مع الشاعر سينا. كان من أكثر المشاهد المؤثرة لحظة مقتل قيصر حين قال : " حتى انت يا بروتس .. ! - إذن فاسقط يا قيصر " .عبارة لخصت كل ما في هذه النفس البشرية من حقد وحب وكره وحزن وغضب . كانت النهاية مأساوية جداً .. بشكل يجعلك ت درك حقيقة واحدة .. " أننا جميعاً أوغاد " .. آه يوليوس قيصر ! أنت ما زلت شديد البأس إن روحك طليق يتجول ، ويرد سيوفنا الى صميم أحشائنا أواه ليت الانسان يعلم عاقبة أمر هذا النهار قبل أن ياتي .. لكن حسبنا أن النهار سينصرم وعندها لا بد ان نعرف العاقبة .. !!