سيد اللعبة في الشرق الأوسط


آخر تحديث: February 12, 2018, 4:56 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

منذ بضعة أعوام بدأت روسيا في إظهار تعافيها من حقبة ما بعد الشيوعية التي تميزت بالضعف السياسي خلال عهدي ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين, وحتى أول سنوات حكم الرئيس الحالي فلاديمير بوتين, خاصة حين أظهرت موسكو قدرتها على امتلاك زمام المبادرة في الأزمة الأوكرانية, حين قامت واشنطن بإسقاط النظام الصديق لموسكو لصالح نظام عميل لها, فردت موسكو بفتح أبواب كييف على حرب أهلية, وبوضع اليد على القرم .
في الأزمة الأوكرانية أظهرت موسكو مهارة فائقة في إلحاق الهزيمة السياسية بواشنطن التي ظنت أنه يمكنها أن تلعب في الحديقة الخلفية لروسيا, وعلى باب دارها وتحت نوافذها, ولم يكتف فلاديمير بوتين الذي أتقن لعبة الديمقراطية الداخلية ولكن بالنمط الشرقي, حيث بعد ولايتين له في منصب الرئيس تراجع لمنصب رئيس الحكومة بولاية فاصلة, ما بين الحقبة الأولى من رئاسته والحقبة التالية الحالية, ثم اندفع للدخول إلى المنطقة التالية بعد الحزام الذي كان ضمن الاتحاد السوفياتي ونعني به الشرق الأوسط, ليدخل من الباب السوري الواسع, حتى يوازن الوجود العسكري والسياسي الأمريكي في العراق بوجود عسكري وسياسي أقوى لروسيا في سوريا . 
في الحقيقة وكما قلنا أكثر من مرة بأن الولايات المتحدة تتراجع بوجودها وتأثيرها ونفوذها في معظم العالم, وحتى في الشرق الأوسط, مما سمح لروسيا, بهدوء وبشكل حثيث من التقرب أكثر إلى غير بلد محوري في المنطقة, فحتى دول الخليج ( السعودية وقطر) التي تعد منذ عقود في الجيب الخلفي لواشنطن, بدأت في طرق أبواب موسكو, وبعد نحو ثلاثة عقود كانت خلالها مصر احد حلفاء واشنطن الجدد في المنطقة والتي تتلقى منها المساعدات العسكرية منذ كامب ديفيد 1978, أخذت العلاقات بين القاهرة وموسكو وبين الزعيمين عبد الفتاح السياسي وفلاديمير بوتين بالتحسن والتقارب, لدرجة لا يمكن القول معها الآن, إن كانت مصر اقرب لواشنطن منها لموسكو أو العكس ! 
ثم جاء الدور على تركيا التي تعتبر منذ نحو مئة عام حليف أمريكا الرئيسي بعد إسرائيل في المنطقة, الدولة الإسلامية الوحيدة التي هي عضو في الناتو والتي كانت تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل قبل كامب ديفيد 1978, حيث بعد توتر في العلاقات بين تركيا وروسيا, تم احتواء الموقف بحنكة بين البلدين, خاصة بعد أن ساعدت موسكو أنقرة في الكشف عن عملية الانقلاب العسكري ضد اردوغان عام 2016, لدرجة ساعدت تركيا كثيرا في تحدي واشنطن والقيام بالرد على إعلان ترامب تجاه القدس بعقد مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي, وفي تحدي أوروبا التي قامت بابتزاز تركيا عدة سنوات, عبر التلويح بجزرة الانضمام للاتحاد الأوروبي .
يستند ظهر روسيا في الشرق الأدنى للصين والى حد ما لكوريا الشمالية وحتى اليابان وفيتنام وغيرها, فنمور آسيا, لن تكون ولا بأي حال في الجيب الخلفي لأمريكا, لذا فإن نقطة الضعف الأهم هي الشرق الأوسط, لذا التواجد الروسي فيه يقلل من نفوذ أمريكا الدولي, أما الشرق الأوروبي, والذي كان جزءا من نفوذ المعسكر الاشتراكي بزعامة روسيا/الاتحاد السوفياتي, فربما أن روسيا تؤجل الدخول إليه حتى لا تقوم بدفع أوروبا مجددا لأحضان أمريكا .
المهم أن موسكو الآن تعتبر سيد اللعبة في الشرق الأوسط, وكلما زادت واشنطن من أعدائها في المنطقة كلما زاد نفوذ روسيا, التي تتمتع الآن بحنكة ودهاء سياسيين ليس لهما مثيل في العالم بأسره, ولعل أصابع موسكو في انتخابات الرئاسة الأمريكية قبل أكثر من عام, أظهرت إلى أي مدى يتصاعد نفوذ روسيا في رسم سياسة العالم, والتي كان من مصلحتها دون معظم العالم أن يفوز دونالد ترامب وليس هلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة الأمريكية, لتحقيق هدف التفوق على واشنطن في صراع النفوذ في العالم, خاصة في الشرق الأوسط .
وإذا كان الحزب الديمقراطي الأمريكي الذي وجد قبولا لدى العالم الخارجي, خاصة حين قدّم رئيسا أسود أظهر من خلاله ديمقراطية أمريكا, كان قد ضحى بحلفائه من الرؤساء العرب (زين العابدين بن علي وحسني مبارك) مقابل أن يكسب ود قوى تتمتع بقاعدة شعبية _ الأخوان المسلمين _ في لعبة الربيع العربي, والتي كادت أن تعيد ترتيب البيوت العربية الداخلية كلها, لولا أن إيران ومن ثم روسيا أفشلتا لعبة اوباما في سوريا عبر منع سقوط الأسد, فإن الجمهوري دونالد ترامب, يقوم الآن بعكس السياسة الأمريكية السابقة, بالتحالف مع ملوك وزعماء عرب لا يتمتعون بالقاعدة الشعبية مقابل الحصول على المليارات, وهو بدأ بالتهديد بمصادرة أموال حلفائه من أثرياء العراق الطائفي, قبل عام, ثم جاء للسعودية ليظفر بمئات مليارات الدولارات التي قامت الدولة لاحقا بتعويضها من خلال مصادرة أموال مواطنين أثرياء بينهم أمراء من الأسرة الحاكمة, وهكذا, فان أفق السياسة الأمريكية في عهد ترامب يبدو ضيقا جدا, مما يزيد من قدرة روسيا على التحرك بقوة في المنطقة .
بعد زيارة الرئيس محمود عباس _ في محاولة منه للاحتماء بأحد ما لصد الحرب السياسية التي تشنها عليه أمريكا منذ أكثر من شهرين, ولم يجد لا في العرب من يحتمي به, ولا حتى من بين المسلمين خاصة إيران التي لا ترحب به كثيرا ولا تركيا التي اكتفت بعقد المؤتمر الإسلامي, وهي المنهمكة في عملية عفرين وفي وضع اليد على اكبر قدر ممكن من الأرض السورية_ لأوربا خاصة بروكسل حيث مقر الاتحاد وباريس زعيمة أوروبا السياسية وأكثر عواصم الغرب تأييدا للحق الفلسطيني, ولم يجد جوابا صريحا يدفع به شر استمرار الرعاية الأمريكية للعملية السياسية, ذهب لموسكو للغاية ذاتها . 
في الوقت ذاته تستعد موسكو لاستقبال الملك الأردني عبد الله الثاني, ليجيء الدور على إسرائيل فتعلن بصراحة ودون تلعثم أو تردد, عبر مايكل أورن نائب رئيس الوزراء لما يسمى بالشؤون الدبلوماسية بأن روسيا وليس أمريكا هي اللاعب الرئيسي في المنطقة بين إيران وسوريا وإسرائيل .