«العدل الممكن» و«العدل التاريخي»

«العدل الممكن» و«العدل التاريخي»


آخر تحديث: February 11, 2018, 1:32 pm


أحوال البلاد
بقلم: علي جرادات

هنالك من ينتقد رفْض الفلسطينيين، بالإجماع، لخطة «صفقة القرن» قبل إعلانها بصورة رسمية. وإذا شئنا تحديد الهدف الفعلي لهذا النقد، فهو نصيحة في العلن والظاهر، وضغط، في السر والباطن، على القيادة الرسمية الفلسطينية لقبول، أو التعاطي مع، (لا فرق)، خطة لتصفية القضية والحقوق والرواية الفلسطينية من جميع جوانبها، وبالمعنى الوجودي للكلمة. خطة يمكن قراءة أهدافها، كما «يُقرأ الكتاب من عنوانه»، اللهم إلا إذا كان بلا معنى أن يسبق إعلانها (قرار الاعتراف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل»)، أو أن يصف قادة الاحتلال، حكومة و«معارضة، خطاب نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، أمام «الكنيست» «بأقوى خطاب يهودي توراتي يقدمه أجنبي منذ العام 48».

إن دعاة التريث في الحكم على خطة إدارة ترامب، إنما يتجاهلون حقيقة أن تبني الأخيرة المطلق لمطالب الاحتلال المتعلقة بالقدس والمستوطنات وحق اللاجئين في العودة والتعويض، قد حدد، سلفاً، نتائج أي تفاوض محتمل في المستقبل؛ بل، وأنهى، إلى غير رجعة، إمكانية إيجاد«حل وسط» للصراع، عماده تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، علماً أن الأخيرة لا تحقق للفلسطينيين سوى «العدل الممكن»، بينما تُجنب «إسرائيل»، لأمد غير قصير، الحل القائم على«العدل التاريخي»، الذي من دونه لا سلام ينهي أسباب الصراع ويقتلعها من جذورها. فالشعب الفلسطيني يتطلع للحرية والتحرير، وقاوم، وما زال يقاوم بوتائر ترتفع أحياناً، وتنخفض أحياناً، لكنها لم تنطفئ، ولن تنطفئ، إلا بانطفاء أسباب المواجهة بين المشروع التحرري الفلسطيني والمشروع الاحتلالي الإجلائي.

إذا كان ثمة من خلاصة للكلام أعلاه، فهي:

أولاً: إن إجبار «إسرائيل» على إنهاء احتلالها لمناطق 67، غير وارد، طالما أنه مشروع رابح، وثمنه المدفوع ليس كبيراً، ويمكن مكابدته. فحتى عندما أُجبِرت، تحت الضغط، على فك الارتباط مع قطاع غزة، أخلته من طرف واحد، وأساساً لتعديل الميزان الديمغرافي، واستبقت السيطرة على حدوده وسمائه وبحره، واندفعت بصورة جنونية، ووتيرة غير مسبوقة، لاستكمال تهويد القدس، وابتلاع ما تبقى من الضفة، (خصوصاً منطقة «ج» التي تشكل 60% من مساحتها). لكن الشعب الفلسطيني الذي لم يعرف الاستسلام، أدرك أن خطة إدارة ترامب هي خطة «إسرائيلية»، فقرر استعادة زمام المبادرة، لإسقاطها بفعل انتفاضي يكلفه تضحيات جسيمة غالية، لكن لا مناص منها للخلاص من الاحتلال.

ثانيا: لقد حسمت إدارة ترامب أمر أن الولايات المتحدة تستطيع، لكنها لا تريد، إرغام ربيبتها «إسرائيل» على قبول فكرة التقسيم، ما يعني أن إنهاء إمكانية الحل الوسط، لم يهبط من السماء، بل مما تصنعه «إسرائيل» وواشنطن في الحاضر، لتكريس ما صنعتاه معاً خلال 25 عاماً من مفاوضات مسار «مدريد أوسلو» الفاشل، العقيم، والمُدمر. هذا يعني أن مسؤولية الكل الوطني الفلسطيني تحتم بلورة استراتيجية فكرية سياسية تنظيمية ونضالية وطنية جديدة. فشعب فلسطين حي مقاوم، وصاحب أعدل قضايا العالم، ووطن لا وطن له سواه، وأفشل خلال قرنٍ من الصراع نحو 60 مشروعاً تصفويا لقضيته الوطنية، ومشروع «صفقة القرن» سيلقى المصير ذاته؛ ذلك لأن محاولة إعادة الشعب الفلسطيني إلى مربع نفي وجوده، هي محاولة واهمة تحمل مأزقاً لكل من يعتقد أنه أكبر من هذا الشعب، ويحاول رشوته بفتات.

ثالثا: كل ما تقدم يزيد مشروعية السؤال: إذا كانت هذه هي حال الصراع، فلماذا التلكؤ في بناء الركائز الوطنية، السياسية والتنظيمية والميدانية والثقافية والاقتصادية والمعنوية، اللازمة لقيادة الاشتباك الدائر مع الاحتلال، وتحويله إلى نمط حياة، ومحور عمل للكل الوطني، وبديل سياسي لإدارة الصراع؟ هذا فيما يعلم الجميع أن هذا الاشتباك تعبير عن إرادة شعبية فلسطينية وعربية وعالمية عارمة، وأنه لا حل له إلا بدحر الاحتلال عن «مناطق 67»، كهدف مباشر قابل للتحقيق، ومقدمة لإقامة «الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية» على كامل مساحة فلسطين، كحل نهائي ديموقراطي للصراع طرحته منظمة التحرير الفلسطينية، لضمان تفكيك النظام العنصري الإقصائي الإحلالي ل«إسرائيل»، وحل مشكلة اللاجئين و«فلسطينيي 48»، المركبين الأساسيين للمشروع الوطني الفلسطيني.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية