حلم إسرائيل الكبرى

حلم إسرائيل الكبرى


آخر تحديث: February 11, 2018, 12:05 am


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لا يمكن القول بأن الحلم "الإمبراطوري" الذي نشأ عليه الفكر الصهيوني, منذ أكثر من قرن من الزمان قد غادر العقلية السياسية الإسرائيلية, خاصة في مكونها اليميني المتطرف, المتكيء على اللاهوت, والذي يجد تجسيده الحزبي عبر أحزاب اليمين الأسرائيلي, بدءا من الليكود وليس انتهاء بالبيت اليهودي مرورا بإسرائيل بيتنو, والذي فرض عليه الانكفاء خلال مرحلة التحرر القومي التي ظهرت في المنطقة العربية أبان الحقبة الناصرية, والتي توجت بحركة التحرر الوطني الفلسطيني, التي وصلت إلى الانتفاضة عام 1987 .
فالفكر الصهيوني لم يكتف بإقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين, الذي عبر عنه قرار التقسيم عام 1949, والذي رفضته العصابات الصهيونية حين صدوره, ومن ثم أعلن ديفيد بن غوريون أقامة الدولة دون أن يقوم بتحديد حدودها الخارجية, التي قال عنها يوما ما, موشي دايان بأنها حيث تطأ أقدام الجنود الإسرائيليين , ولذا فقد كانت إسرائيل تعتبر كل أرض تقوم باحتلالها جزءا من أرض إسرائيل الكبرى, التي أفصح عنها الفكر الصهيوني مبكرا, وقال بأنها من الفرات إلى النيل . 
ولم يكن الهدف من مشاركة إسرائيل, والحال هذا, كلا من بريطانيا وفرنسا بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956, مثل هدف شريكتيها اللتين كانتا تريدان السيطرة على قناة السويس, بل كانت إسرائيل تسعى لاحتلال غزة وسيناء, كذلك فأن إقدام إسرائيل على شن الحرب عام 1967, كان بالنسبة إليها يمثل المرحلة الثانية من إقامة الدولة الحلم, لذا فأن إسرائيل ظلت تصر وبالضد من كل العالم, بأن الأرض التي احتلتها عام 1967 ليست أراض محتلة, وكما أنها أعلنت قيام الدولة عام 1948 دون القدس, فأنها تتعامل ما كل الأرض الواقعة بين نهري النيل والفرات, والتي تشمل إضافة إلى فلسطين وسيناء, كلا من الأردن بالكامل وأجزاء واسعة من سوريا والعراق ولبنان, على أنها أرض إسرائيل الكبرى لن تكون محتلة حين تقوم بالسيطرة عليها .
ولكن خلال العقود التي تلت إعلان قيام دولة إسرائيل وفي ظل حرب باردة كبحت من جماح إعادة السيطرة الامبريالية على العالم, وفي ظل حركة تحرر قومي عربي, فرض الانكفاء على تحقيق حلم إقامة إسرائيل الكبرى, كانت إسرائيل تنتظر الزمن المناسب, ورغم ذلك فإنها وفي ظل الحرب الباردة حاربت حركة التحرر القومي بزعامة عبد الناصر والتي توجت بآخر واهم فصولها وهو حركة التحرر الوطني الفلسطيني بزعامة ياسر عرفات . 
لكن رغم ذلك نجحت إسرائيل في شن حرب عام 1967, لتحتل خلالها كل أرض فلسطين التاريخية وكلا من الجولان السوري وسيناء المصرية, ولم تتورع من القيام بضم الجولان, ومن ثم تتبع إستراتيجية إقامة الأحزمة الأمنية حين لا تقدر على الإعلان الرسمي عن ضم كل تلك الأرض التي تعتبرها جزءا من إسرائيل الكبرى, وهي أقامت دولة لحد في جنوب لبنان حين اجتاحت أرض لبنان وصولا إلى بيروت, وخرجت من سيناء بعد كامب ديفيد 1978, ليس فقط مقابل إخراج مصر من دائرة الحرب, بل بإعلان معظم سيناء أرضا منزوعة السلاح, أو تقريبا منطقة حزام امني لها, لذا فإن كل من يتابع المشكلة الأمنية التي تواجهها مصر الآن في سيناء, لابد له من أن يرجع احد أهم أسباب تأخر الدولة عن وضع الحد النهائي والسريع للإرهاب في سيناء, لتلك الاتفاقية, حيث طالب العديد من الأصوات بتعديلها بحيث تسمح للجيش المصري بحرية الحركة, وباستخدام قوته على جزء من أرض دولته . 
يمكن القول أذا بأن إسرائيل تنظر الآن ترى بأنها قطعت نصف الطريق لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى, فهي جعلت من سيناء منطقة محايدة أمنيا, كذلك وضعتها إدارة ترامب في دائرة الاطمئنان فيما يخص الملف الفلسطيني, لذا فقد بات يحذوها الأمل بالخروج سعيا وراء حدود إسرائيل الكبرى, خاصة في ظل ظروف الدول الإقليمية الثلاث: العراق, سوريا ومصر .
وهي وضعت قدما على ضفاف الفرات, عبر الأكراد, وتعتبر الأردن تقريبا منطقة آمنة, كذلك هي بحالة سيناء وبوجود الإرهاب الذي يضعف من هيبة الدولة المصرية ومن دورها الإقليمي خاصة فيما يخص الملف الفلسطيني, تعتبر بأن قدمها قريبة من النيل, لكنها عمليا وهي ترى أن سوريا باتت مناطق نفوذ لكل من الدولتين الكونيتين: أمريكا وسوريا والدولتين الإقليميتين: إيران وتركيا, فهي حرصت طوال الوقت على القول بأنها موجودة, من خلال التدخل العسكري المتقطع باستهداف قواعد جوية سورية في عمق الأرض السورية . 
وهي عمليا تريد أن تؤكد بأن كل المنطقة من الحدود بينها وبين سوريا إلى دمشق وريفها شمالا, ثم إلى الحدود العراقية من الجنوب الشرقي, أنما هي منطقة أمنية, وهي تضرب عصفورين بحجر واحد, فمن جهة, تريد أن تجعل من كل المنطقة الفاصلة بين حدود فلسطين التاريخية والفرات أرضا رخوة أي منزوعة السلاح, ومن جهة أخرى تحاول جر إيران إلى حرب على الأرض السورية لتدمر قدرتها وقدرة حزب الله العسكرية معا, بالشراكة مع أمريكا . 
هكذا وبنتيجة الحرب بين إسرائيل وأمريكا وربما لاحقا دول الخليج, وبين إيران وحزب الله على الأرض السورية وليس داخل إيران ذاتها, يمكن أن تنفتح كل المنطقة الشرقية وصولا إلى الفرات, في حين تبقي إسرائيل على جماعات الإرهاب في سيناء لتضعف من هيبة الدولة المصرية, تماما كما فعلت أمريكا مع داعش في سوريا والعراق, حتى إذا ما انتهت من الجبهة الشرقية, فرضت تطورا أضافيا على الجبهة الجنوبية, بحيث أن إسرائيل يمكنها بعد عدة سنوات أن تنجح في تحقيق الحلم الصهيوني بإقامة دولة إسرائيل الكبرى, من الفرات إلى النيل, حينها فقط يمكن أن يعرف العالم حدود دولة إسرائيل, التي سيكون بمقدورها أن تتحول إلى دولة كونية عظمى, ليس اعتمادا على المساحة الجغرافية, ولا على السكان حيث يمكن حينها أن تستقبل كل يهود العالم, وحتى أنصاف اليهود, بل اعتمادا على القوتين العسكرية النووية والاقتصادية, بعد بدء استخراج الغاز القابع على شاطيء المتوسط الشرقي .