الفلسطينيون والانسداد السياسي!

الفلسطينيون والانسداد السياسي!


آخر تحديث: February 10, 2018, 2:37 pm


أحوال البلاد
بقلم: د ناجي شراب

قد يرى بعض الفلسطينيين أنهم قد وصلوا إلى طريق مسدود سياسياً. وهذا التصور في رأيي غير صحيح. وسبب ذلك أن القضية الفلسطينية تبقى قضية لها أبعادها ومحدداتها الدولية، وتبقى مفروضة على الأجندات الإقليمية والدولية، وإن بدرجات متفاوتة بسبب أولويات القضايا الملحة والآنية كالإرهاب، وقضايا النزاعات البينية، وهذا أمر طبيعي. فالقضية الفلسطينية قضية ممتدة ومركبة ومزمنة، وترتبط بها كل قضايا المنطقة، وهذه حقيقة سياسية لا يمكن إنكارها أو القفز عنها. وما يؤكد هذه الفرضية هو الاهتمام بالقضية، والعمل على الوصول لتسويات سياسية لها، وما الحديث عما يسمى «صفقة القرن» التي تزمع الإدارة الأمريكية طرحها إلا نتيجة لهذه القناعة. وهو ما يعني أنه لا يمكن ترك القضية الفلسطينية من دون حل.

والمقصود بالانسداد السياسي وصول خيار التفاوض بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين» إلى طريق مسدود، أو مرحلة لا يمكن القفز لما بعدها، ولهذا تفسير مهم من المنظور التفاوضي، وهو أن المفاوضات وصلت لمرحلة يعتقد كل طرف أنه قدم من التنازلات ما لا يستطع معه تقديم المزيد. ومن ناحية تعني الوصول إلى المرحلة قبل الأخيرة أو مرحلة الاتفاق النهائي وهي من أصعب مراحل التفاوض؛ لأنها ستقرر المصير السياسي ليس فقط للقضية بل للمنطقة كلها، أي مرحلة التسوية النهائية للتفاوض، وربما يعني الانسداد أن الفشل بات حتمياً ولا مفر من الإقرار بذلك وفتح خيارات أخرى أكثر تطرفاً وعنفاً والدخول في مواجهة حقيقية بين المشروعين العربي - الفلسطيني والمشروع «الإسرائيلي»، وهذا سبب التخوف من «صفقة القرن» التي تتحدث عنها الإدارة الأمريكية، لأنها قد تضع تصوراً نهائياً منحازاً بالمطلق للجانب «الإسرائيلي» وتتجاهل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وخصوصاً بعد إخراج القدس من الملف التفاوضي، والاعتراف بها عاصمة لـ«إسرائيل».

والانسداد السياسي لا يعنى عدم وجود الحلول السياسية البديلة لخيار التفاوض، إنما يعنى عدم ملاءمة المفاوضات بآلياتها ومرجعياتها القائمة للوصول إلى اتفاق، وهذا ما يستوجب من الأطراف الإقليمية والدولية إيجاد البدائل وطرح المبادرات والحلول الوسط للخروج من حالة الانسداد السياسي. وفلسطينياً لا يعني الانسداد جمود الحراك السياسي، بل يعني العمل على مراجعة المسيرة التفاوضية، والوقوف على نقاط القوة والضعف، والعمل على تفعيل وتنشيط الخيارات البديلة والمتاحة، وهذه الخيارات تنطلق من فرضية جوهرية، وهي أنه لا يمكن إسقاط أي خيار أو مسلك سياسي للتعامل به للخروج من حالة الانسداد السياسي، بدءاً من المستوى الداخلي وهو الأساس، حيث لا بد من وضع استراتيجية وطنية جديدة يتفق عليها الجميع تأخذ في الحسبان كل عوامل القوة السياسية والشعبية والأمنية، وأساسها إنهاء الانقسام فوراً وتثبيت الوحدة الوطنية كرافعة للمرحلة الجديدة من النضال الفلسطيني. والمستوى الثاني للتغلب على الانسداد السياسي يكون بتفعيل الدور العربي تأكيداً على أن القضية الفلسطينية هي قضية أمن قومي عربي، وأنه لا تسوية إقليمية شاملة من دون حل القضية الفلسطينية. هذا الدور مهم جداً في التأثير على الدائرة الأوسع والأكثر تأثيراً الآن وهي الدائرة الدولية للحراك السياسي الفلسطيني - العربي الذي يأخذ مسارات كثيرة على المستوى الثنائي للعلاقات مع الدول المؤثرة كدول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، وحتى الولايات المتحدة، إضافة إلى العلاقات على مستوى المنظمة الدولية بكل مؤسساتها لتفعيل قرارات الشرعية الدولية، والمستوى الآخر يكون بتفعيل الحراك على مستوى الفواعل من غير ذات الدول كمؤسسات المجتمع المدني عابرة الحدود.

لا شك أن كل هذه المستويات تشكل قوة دفع للتغلب على حالة الانسداد السياسي، وفي النهاية لا بد وأن تأتي بالنتائج وتوصل لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وكاملة السيادة، وهي الخيار الحتمي والنتيجة النهائية لأية مفاوضات. المهم البدء بالخطوة الأولى فلسطينياً، والخطوة الأولى تكون من الداخل.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية