الموت الرحيم لغزة !


آخر تحديث: February 7, 2018, 12:59 am


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

بعد مرور نحو أربعة أشهر على آخر بارقة أمل _كانت بمثابة القشة التي تمسك بها الغريق_ بإتمام المصالحة, وبعد مضي أحد عشر عاما على المعاناة المتواصلة لمليوني مواطن يعيشون في قطاع غزة, ومع اقتراب نفاذ الوقود من المستشفيات, ومع نسبة تلوث في المياه بلغت 95%, ومع ظروف تعتبر تحت الحد الأدنى بكثير من مستوى الحياة العادية للبشر, لا يبدو بأن غزة على موعد مع الانفجار, كما كان البعض يحذر أو يهدد عادة, من قبل, فغزة التي بلغ بها اليأس حدوده القصوى, تحتضر في صمت, دون أن يحرك موتها الجماعي بعد سجنها الجماعي أحدا لا من الأعداء أو الأغراب, ولا من الأهل أو الأصدقاء, أو الأقارب والأشقاء . 
وإسرائيل التي اعتادت أن تشن الحروب القاسية على غزة, منذ عام 2007, رغم فرضها الحصار القاتل منذ ذلك الوقت, بحيث تقوم بتدمير كل محاولة للنهوض, لم تعد تهتم بحرب أخرى, كما يتوقع البعض, والسبب, ليس أن لعبة الإقليم باتت في متناول اليد وحسب, ولا لأن الأكاذيب السابقة لم تعد تنطلي على أحد, ولا لأن هوس الخوف والرعب الملازم للإسرائيليين, والذي يبث في أوصالهم الرعب ويثير فيهم العصاب, من صواريخ أو أنفاق, وكل ما ابتدعه أو كل ما وصلت إليه يد المستضعفين في الأرض من قدرة على مواجهة الوحش, صار حجة واهية, ولكن لأن شقاق آل البيت كفى الأعداء شر القتال, فقد أنهك الانقسام والحصار أوصال قطاع غزة, بحيث لم يعد فيها نفس قادر على التحدي . 
لا أحد  كان يمكنه أن يتصور قبل احد عشر عاما, بأن الانفصال يمكنه أن يستمر إلى كل هذا الوقت, أو أن الخصومة السياسية بين الأشقاء يمكن أن تكون "حربا" أشد وقعا, وأسوأ في النتيجة من حروب الأعداء, ولا كان يمكن لأحد بعد تجاوز الصعب, أولا من خلال جلوس الأشقاء معا, وثانيا من خلال ماراثونات الحوارات والاتفاقات, أن يظن بأن يأخذ الاتفاق كل هذا الوقت, ثم أن يتعرقل التنفيذ بعد الاتفاق إلى هذا الحد . 
هذه المرة, لا يمكن القول بأن هناك طرفا إقليميا يعطل أو يعرقل أو يضع العصي في دواليب المصالحة, ولا يمكن القول بأن هناك عجزا عن اجتياز القرار الأمريكي أو الأسرائيلي بعدم انجاز المصالحة, كما كانت أوساط حماس تتهم السلطة بجود قرار أمريكي/إسرائيلي لا يمكنها تجاوزه عبر انجاز المصالحة, أو كما كانت السلطة تتهم أوساط حماس بمنعها من قبل حلفائها, بالتقدم نحو السلطة لانجاز المصالحة . 
هذه المرة, لا يبدو في ما هو محسوس أو مرئي أن هناك طرفا إقليميا أو دوليا, يضغط على احد طرفي الشقاق الداخلي, لمنع تحقق إنهاء الانقسام على الأرض, خاصة وأن حماس صارت_تقريبا_ بلا حلفاء, فيما السلطة صارت مثل حماس, ظهرها للحائط, في مواجهة أمريكا وإسرائيل, مع عرب ومسلمين, في أحسن أحوالهم يلجأون للصمت, أو يدعون في سرهم على أمريكا وإسرائيل ! 
غزة المنهكة مع ذلك لا تثير في قلوب ذوي الأمر منها الشفقة, ولا تحرك في عقولهم وفي أعصابهم حتى الرغبة في مدها بإكسير الحياة .
وحين تهون عليك نفسك, فأنها دون شك تهون على عدوك, بل تدفعه لأن يفكر في إطلاق رصاصة الرحمة عليك, حتى يبدو رحيما في نظر الآخرين, ولهذا فحين أدعى العدو قبل أيام بأن هناك صاروخا قد سقط في غلاف غزة, وبحث عنه في العراء, لم يتورع في أن يقصف وأن يظهر عينه الحمراء مجددا, ولكن مع بدء العد التنازلي للصيف حيث الوقت يكون مناسبا لشن الحروب الإسرائيلية, التي كثيرا ما تكون بين حزيران وآب, مرورا بتموز, وحيث تقديرات المراقبين تشير إلى أن غزة على موعد منذ وقت مع حرب أخيرة, يتم بعدها ترتيب سياسي للملف الفلسطيني برمته, وفق الهوى الأسرائيلي, فإن عسكر إسرائيل, باتوا أقل تهديدا تجاه القطاع المنهك, لكنهم يفكرون بالطريقة ذاتها, وهي كيف يمكن رسم الخاتمة .
إسرائيل التي ما زالت تفكر بل وتتعامل مع غزة, على أنها تحت وصايتها, أو أنها منطقة حكم ذاتي تتحكم فعلا بمفاتيحها الخارجية, وبمصيرها ومستقبلها, لكنها تترك "للأخوة الأعداء" أن يقوموا بما هي ليست مضطرة للقيام به, تعرض مرة ومن بعيد الجزرة ومرة العصا, وهي قبل أيام تحدثت عن "استعدادها" لإدارة ملف أعمار غزة, عبر مشاريع تحلية مياه البحر, وتوفير الكهرباء, وما إلى ذلك, حتى أذا ما فكر المجتمع الدولي أو الإقليمي في آخر الوقت أن يعيد تأهيل غزة للحياة, فان إسرائيل جاهزة, تنتظر أن تظفر بحصة الأسد من "لحم الميت ", واليوم يشير رئيس هيئة أركانها غادي ايزنكوت إلى أن الوضع في قطاع غزة صعب, وأنه يزداد سوءا, وأن احتمالات الحرب عام 2018, أي هذا العام وربما هذا الصيف, تزداد بسبب الأزمة الإنسانية المتصاعدة في القطاع .
بقي أن يوضح رئيس هيئة أركان حرب العدو الأسرائيلي إلى أن حربه التي يفكر القيام بها ضد قطاع غزة, ما هي إلا بمثابة الموت الرحيم, لمريض ميئوس من شفائه, أو أن إسرائيل حين تقوم بشن الحرب على غزة, فإنما لدوافع إنسانية ليست لها علاقة بتوفير الأمن لمواطنيها من سكان المستوطنات الجنوبية, كما اعتادت على القول, بل من أجل أهل غزة, الذين بات الموت الحقيقي لهم أفضل من الحياة التي يعيشونها اليوم أو بمثابة رصاصة الرحمة, وهي حياة  منذ أحد عشر عاما خلت, ما كانت أصلا  إلا تتويجا لاحتلال سبقها طوال سبعة وعشرين عاما, ظن الناس  بعده بأن أقامة السلطة عام 1994 قد وضع حدا لمعاناتهم طوال سنواته البغيضة, ليتأكد بعد ذلك بأن الوهم هو الذي كان يتراءى للناس, الذين وجدوا أنفسهم منذ عقود في صحراء قاحلة, البحر من ورائهم والعدو من أمامهم , على أنه ماء, لم يكن غلا سرابا, ولم يعد لهم   من حيلة ولا من حول ولا قوة إلا رحمة الله, وكفى بالله وكيلا .