المخزون من الذهب للجنيه الفلسطيني في بريطانيا الذي لم يطالب به أحد

المخزون من الذهب للجنيه الفلسطيني في بريطانيا الذي لم يطالب به أحد


آخر تحديث: February 7, 2018, 12:57 am


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

المخزون من الذهب للجنيه الفلسطيني في بريطانيا الذي لم يطالب به أحد

تقرير محمد عابد

عرف الشعب الفلسطيني النقود منذ ألاف السنين؛ حيث تطور سك النقود عبر العصور منذ وجود الكنعانيين الأوائل وصولًا إلى الانتداب البريطاني مرورا بالعصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية والعثمانية؛ ثم استخدمت هذه النقود كقطع للزينة تتزين بها النسوة الفلسطينيات وذلك حتى فترة متأخرة من العهد العثماني، وأصبحت هذه العادة من التراث الفلسطيني.

وتعد النقود من الوثائق التاريخية المهمة؛ ولها علم خاص بها يسمى علم (النميات)، وهذا العلم يبحث في نوعية النقود وتاريخها والأمم التي ضربتها، ويفسر جوانب حضارتها، كما يكشف عن قسمات النقود الفنية وأبعادها الجغرافية ووزنها الاقتصادي ومدلولها السياسي.

وتعد النقود المعدنية الفلسطينية خير مساعد على معرفة المدن والممالك القائمة في العهود الخالية؛ ذلك أنها تنطق بحقيقة ذلك الزمن فتساهم بإعادة كتابة التاريخ الحقيقي بعيدًا عن الزيف.

ومع  بداية الانتداب البريطاني استخدم الفلسطينيون العملة المصرية والليرة الذهبية رغم قلة وجودها بسبب الفقر الذي حلَّ بالبلاد الخاضعة للسيطرة العثمانية , وتوقف التعامل بالليرة التركية الذهبية، كما توقف التداول بالعملة التركية بكل فئاتها بعد اكتمال الاحتلال البريطاني لفلسطين عام 1918.

وقد نظمت الإدارة المدنية البريطانية في فلسطين أمر العملات في بلاغ عام بتاريخ 1921/2/1 عُدّ فيه فقط النقد المصري ذهباً أ وورقاً أ وفضة أونيكلاً عملة قانونية تستخدم في فلسطين، وتساوي الليرة الذهبية الإنكليزية 97.5 قرش مصري.

 وفي عام 1924 رأت سلطات الاحتلال البريطاني أن الوقت مناسب لتأسيس نظام نقد خاص بفلسطين؛ فشكل المندوب السامي لجنة لدراسة إمكانية سك نقد فلسطيني والخطة المناسبة لذلك، وكانت اللجنة تضم 4 مديرين لمصارف أجنبية، وثلاثة من موظفي الحكومة، وثلاثة من اليهود تختارهم المنظمة الصهيونية، واثنين من العرب تعينهم الحكومة. وقد لاقى هذا الإجراء اعتراضاً عربياً لكن دون جدوى؛ فقد سن المندوب السامي قانوناً يحمل الرقم 907/53 بتاريخ 1926/9/10 منح الصفة الشرعية في فلسطين لمجلس النقد الفلسطيني الذي عينه وزير المستعمرات ومنحه سلطة إصدار النقود نيابة عن حكومة فلسطين، وتحددت طبيعة النقد الفلسطيني في المرسوم الصادر في 1927/2/1 والذي أعلن بعده وزير المستعمرات أنه سيستبدل النقد المصري بالنقد الفلسطيني الذي سيكتب عليه باللغات الثلاثة الإنكليزية والعربية والعبرية، وأن النقد سيضرب في لندن. وكانت قيمة الجنيه الفلسطيني تعادل ليرة ذهبية إنكليزية؛ أي 97.5 قرشاً مصرياً؛ وكان الاحتياطي الذي يدعم النقد الفلسطيني المتداول يتألف من حصيلة استبدال الأوراق النقدية والمسكوكات المصرية، إضافة إلى الدخل الذي وفرته استثمارات مجلس النقد وكان معظمها سندات الحكومة البريطانية.

ويري بعض المؤرخين إن الحكومة البريطانية أصدرت قراراً بإنشاء مجلس النقد الفلسطيني في العام 1926، واستمر نشاط المجلس حتى العام 1952 حين حوّلت ودائعه إلى صندوق السيولة الفلسطينية الذي تولت إدارته أجهزة تابعة للحكومة البريطانية ما لبثت أن أمرت بحله في العام 1986.

لتصبح مهمة مجلس النقد الفلسطيني كانت تتلخص بإصدار عملات والتعامل مع البنوك وتحديد الموازنة العامة, وتولى "بنك باركليز دومنيان كولونيال لما وراء البحار" مهمة الوكيل المصرفي في ما يتعلق بدفع السندات والشيكات المالية العائدة إلى المجلس، وتولى البنك المركزي البريطاني التغطية الذهبية من خزائنه للعملة التي يصدرها مجلس النقد.

ومع انتهاء الانتداب البريطاني وقيام إسرائيل رأت السلطات البريطانية إن العملة الفلسطينية المتداولة يجب صرفها بما يعادلها من جنيهات إسترلينية، فتولت وزارة الخزانة مسؤولية صرف العملة والتعامل بالسندات,وكانت في تلك الفترة  البنوك الأجنبية التي كانت تعمل في فلسطين كانت تتولى تغطية إصدار العملة الفلسطينية بالذهب.

قصه صندوق السيولة الفلسطينية وودائعه

وقدمت وزارة الخزانة في الرابع عشر من آذار مارس عام 1986 عبر وزير الخزانة إلى البرلمان تقريراً عن صندوق السيولة الفلسطينية وودائعه، ومما جاء في كلمة وزير الخزانة ما يأتي في العام 1926 تأسس مجلس النقد الفلسطيني بقرار صدر عن وزير المستعمرات البريطاني بغية إصدار النقد في فلسطين ومراقبته, مع قيام إسرائيل في العام 1948 لم تعد ثمة حاجة إلى نشاط مجلس النقد وأبدل به في العام 1952 صندوق السيولة الفلسطيني الذي تولى مسؤولية تحويل العملة الفلسطينية إلى مقابلها من العملة البريطانية, وفي الوقت الحالي حولت الأموال والودائع التي يملكها صندوق السيولة إلى وكلاء التاج الذين يقومون بالمهمات نفسها التي كان الصندوق يقوم بها, ومع نهاية كل سنة مالية يحصى الفائض من المال بعد حسم الرسوم ويدفع لحساب وزارة الخزانة على رغم أن مسؤولية الودائع في السابق كانت من صلاحية وزارة الخارجية البريطانية.

وعلى رغم مرور أكثر من 25 عاماً على سحب العملة الفلسطينية من الأسواق، لا تزال وزارة الخزانة تستبدل بالعملة الفلسطينية مقابلها من النقد البريطاني, ولكن في العام 1976 لم يزد عدد ما تم تبديله على 261 جنيهاً, وفي 31 آذار 1985 كانت قيمة الودائع لدى صندوق السيولة الفلسطيني تصل إلى 777،372 ألف جنيه إسترليني في مقابل 337511 ألف جنيه فلسطيني أخرى لا تزال موجودة وتحتاج إلى تبديل.

وأوضح بيان وزارة الخزانة أمام البرلمان أن الوزارة أنشأت شركة يشرف عليها احد أجهزة الدولة لتتولى مسؤولية رعاية العملة الفلسطينية وصرفها إذا طالب شخص ما بتبديلها، كما أن الحكومة البريطانية على استعداد للنظر في أي دعوى تقام، وان المصرف المركزي البريطاني على استعداد لتبديل أي عملة فلسطينية في أي وقت، علماً بأن قيمة الجنيه الفلسطيني مساوية تماماً لقيمة الجنيه الإسترليني,هذا ويرحب المسئولون البريطانيون بأي طلب رسمي تقدمه منظمة التحرير للبحث في هذه القضايا.

ويعترف مسئولون في بنك "باركليز" أن مؤسستهم كانت لديها أموال مودعة لفلسطينيين قبل العام 1948، إلا أنها سلمت في النصف الأول من الخمسينات إلى هيئة حكومية بريطانية تحمل اسم "حارس أملاك العدو"، وتقدر قيمتها بـ3،931،582 ألف جنيه إسترليني.

وأشار هؤلاء إلى أن بنك "باركليز" كان اكبر المصارف العاملة في فلسطين، "ولكن بسبب اندلاع المعارك وعدم قدرة الزبائن على الوصول إلى حساباتهم أو إجراء تحويلات، حولت الأموال المسجلة بأسمائهم إلى مقراتنا في لندن". وأوضحوا أن "البنك العربي المحدود" تقدم بشكوى ضدهم في 11 تشرين الثاني نوفمبر 1952 للمطالبة بمبالغ مستحقة له وخسر الدعوى وأجبر على دفع نفقات المحكمة.

وجدد "البنك العربي المحدود" مطالبته بالأموال في 21 أيار مايو 1953 وخسر مجدداً. وفسّر المسئولون في "باركليز" إصرارهم على عدم دفع ما يطالب به البنك العربي في حينه بالقول: "إن قيمة حسابه كانت 931،582 ألف جنيه فلسطيني يوم الرابع عشر من أيار 1948، وكان الحساب جارياً ومسجلاً في فرع باركليز في ساحة أللنبي في القدس، ومع إنهاء بريطانيا انتدابها وإعلان قيام دولة إسرائيل اتخذت الدولة العبرية قراراً يقضي بمصادرة كل الأملاك والأموال العائدة إلى غائبين عن الأراضي التابعة لها. وقد سلمنا لمصرف يعمل تحت إشراف السلطات الإسرائيلية كل الودائع التي تخص الذين غادروا فلسطين بعد التاسع والعشرين من تشرين الثاني نوفمبر 1947 إلى لجنة حراسة أملاك العدو، بعدما طالبت بها لجنة الحراسة الإسرائيلية في الثامن من شباط فبراير عام 1951، الأمر الذي يعني بالنسبة إلى باركليز أن طلب البنك العربي المحدود غير واقعي وعليه مراجعة السلطات الإسرائيلية".

وأضاف المسئولون في بنك باركليز إن البنك العربي المحدود فتح حساباً جارياً في مصرفهم في الرابع عشر من شباط 1930، فرع ساحة أللنبي - القدس، الأمر الذي يعني أن المحاكم التي تبت اي قضية عالقة هي محاكم مدينة القدس. وشرح احد هؤلاء طبيعة الظروف التي كانت سائدة في فلسطين، قال: "كانت فلسطين قبل ساعات من منتصف ليل الرابع عشر من أيار مايو 1948 تحت سلطة الانتداب، وقبل انتهاء الانتداب بأشهر وبدء المناوشات العسكرية بين العرب واليهود انتقلت مكاتب باركليز الإقليمية إلى قبرص في الثامن والعشرين من نيسان ابريل من العام نفسه، فأغلق الكثير من فروع البنك, وكانت ساحة أللنبي منطقة نزاع، خصوصاً بعدما نزح العرب إلى الحي القديم في حين بقي اليهود بعيدين. واضطر بنك باركليز إلى إغلاق فرعه في ساحة أللنبي يوم الثالث عشر من أيار 1948 بعدما شعر المسئول أن المنطقة المحيطة بالفرع ستتحول ساحة نزاع. وفي يوم 15 أيار احتلت قوات يهودية منطقة أللنبي ولم يستأنف الفرع نشاطه إلا في تموز يوليو 1950. وعندما اعترفت الحكومة البريطانية بقيام دولة إسرائيل في السابع والعشرين من نيسان 1950، اضطر بنك باركليز إلى التعامل مع حكومة إسرائيل ووقف التعامل مع خصومها، وطلب من المؤسسات التي تستعمل كلمة "فلسطين" شطبها لتحل محلها "إسرائيل"، وذلك استجابة لقرار حكومي إسرائيلي صدر في الرابع عشر من تموز 1948".

وجدّد البنك العربي المحدود مطالبته بحقوقه وأقام دعوى ضد بنك باركليز - فرع مدينة نابلس، في العام 1954، بعدما خسر دعوى جديدة رفعها إلى مجلس اللوردات في لندن في العام نفسه. وتمسك المسئولون في البنك البريطاني بقرار القوات اليهودية التي كانت تسيطر على فرع مصرفهم في ساحة أللنبي في القدس والتي تمنعهم من تحويل أية أموال إلى أي جهة عربية غادرت القدس بعد تاريخ سيطرتهم على المنطقة أو حتى قبل ذلك بأشهر.

ويلاحظ المدقق في وثائق دائرة المحفوظات البريطانية آلافاً بل عشرات الآلاف من الوثائق التي تتحدث عن تقارير سرية ومراسلات عادية كشفت قبل سنوات، وتتضمن أرقاما مالية وموازنات وديوناً مستحقة وتسويات وعمليات بيع أراضٍ وتحويلات مصرفية إلى مؤسسات حكومية بريطانية وغير بريطانية. وتعطي إحدى الوثائق التي تحمل الرقم 120/27 Z صورة عن حجم الأموال لدى هيئة "حارس أملاك العدو" حتى مساء الرابع عشر من أيار 1948. وجاءت حسب التسلسل الآتي:

الاسم المبلغ بالجنيه الفلسطيني

عملاء التاج الخزينة البريطانية 70،102،200

1 - عائدات الألمان 000،000،240

2 - الجمعية الفلسطينية - الألمانية 032،185،4

3 - البنك العثماني 000،000،06

4 - حساب مع بنك باركليز 386،143،268

5 - البنك الانكلو - فلسطيني 247،676،8

6 - البنك العثماني 929،195،8

7 - الوكالة اليهودية نفقات زراعية 000،000،30

8 - عائدات لأراضي سارونه 000،000،793،1

9 - عجز مالي 632،238،666،2

المجموع 994،514،278،5

وفي وثائق أخرى، مؤرخة في الثالث والعشرين من أيلول سبتمبر 1948 والمرسلة من وزارة المستعمرات إلى وزارة الخزانة البريطانية فقرة تدعو إلى التساؤل:

الوضع الحالي يتطلب ما مقداره ستة ملايين جنيه إسترليني لسداد الأعباء الملقاة على عاتق الحكومة الفلسطينية ما بين اليوم ونهاية السنة، وقد وافقت وزارة الخزانة على دفع مليوني جنيه إسترليني من أموال الاحتياط لتغطية نفقات مكتب تصفية حكومة فلسطين, ويترتب علينا الآن أن نجد طرقاً ووسائل لمواجهة هذه المتطلبات, كما أن وزارة الخزانة سبق لها أن وافقت على النظر في تأخير دفع الأموال للحكومة الاسترالية بسبب مصادرة أموال مواطنيها في فلسطين، ونحن لسنا على استعداد لأن ندفع سلفاً ما مقداره مليونان بواسطة وكلاء التاج، والأموال التي يمكن دفعها فوراً هي الرصيد غير المتوقع، أي سندات الدين لحامله والتي أصدرها مجلس النقد الفلسطيني للاستثمار وكانت في عهدة المملكة المتحدة وتقدر بمليوني وخمسمائة ألف جنيه إسترليني, وقد أصرت وزارة الخزانة مراراً على أن نعرف بهذه الودائع وان نطبق الإجراءات تجاه الإيفاء بالأعباء الفلسطينية، ولكن حتى الآن ترددنا للأسباب التي سبق ذكرها".

وتقول الرسالة في مجال آخر: "إن من اللائق إقراض هذه المبالغ إلى فلسطين شريطة أن يفهم بجلاء أن على وزير الخزانة أن يسعى إلى الحصول على موافقة برلمانية خلال طرحه مشروع الموازنة الإضافية لإعادة دفعها بالكامل, ويبدو أن الفرص السانحة للبوح بهذه الحقيقة هي أعظم شأناً مما كانت عليه الحال في الاقتراحات السابقة لاستقراض مبلغ ستة ملايين جنيه إسترليني من مجلس النقد الفلسطيني وان هذه الطريقة في الوفاء بالأعباء السارية حالياً يجب تبنيها فقط على أساس الخيار الأخير".

وهناك مراسلات أخرى بين البنك الانغلو فلسطيني والبنك العثماني وبنك باركليز وهيئة "حارس أملاك العدو" البريطانية والإسرائيلية، وتحويلات مالية تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من مليون جنيه إسترليني بعد العام 1948 ومبالغ مالية تشهد الأوراق المحفوظة في دائرة المحفوظات أنها قبضت ثمناً لأراضٍ فلسطينية بيعت, كل هذه قد تدعو الفلسطينيين ومنظمة التحرير والحكومة البريطانية إلى عقد جلسات طويلة لتسوية الأوضاع المالية تمهيداً لمطالبة "حارس أملاك العدو" الإسرائيلية بفتح ملفاتها وتعويض الأفراد والمؤسسات الفلسطينية الخسائر التي لحقت بهم من جراء مصادرة أموالهم في البنوك الأجنبية وبيع أراضيهم.