ترامب كريه كالعادة !

ترامب كريه كالعادة !


آخر تحديث: February 1, 2018, 7:23 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

في خطابه الأول حول "حالة الاتحاد" ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كريها وسمجا ومتبجحا كما هي عادته منذ أن عرفه الناس, قبل نحو عامين حين بدأ يقيم "مهرجاناته" الانتخابية كمرشح لرئاسة الولايات المتحدة, التي ظهرت كما لو كانت مهرجانات سيرك محلي, فقد نطق الرجل بكل الكلمات الممكنة التي تتضمن التشدق بعظمة أمريكا, وتفوقها, بلغة غابت عن الدنيا منذ أربعينيات أو حتى ثلاثينيات القرن الماضي, حين كان رجال يتقدمون من الخلف إلى مقدمة الصفوف, يعلون من شأن عرقهم القومي, حتى صاروا بعد أعوام قليلة رموزا للنازية والفاشية التي أخذت العالم إلى حروب عالمية طاحنة, سقط خلالها ملايين البشر ضحايا, هذه النزعة الفوقية, وهذا الشعور المريض بالتفوق والتميز على البشر .
لا يؤمن ترامب, لأكثر من سبب, ولا بد من حضور أكثر من طبيب لتشخيص حالته, بالمساواة ولا بالعدالة بين البشر, وإلا لما ظل يتبجح هكذا بعظمة أمريكا, ولا أحد يعلم ما هي مظاهر عظمة أمريكا هذه, التي كانت الدولة الاستعمارية الأولى في العالم, وهي وريثة قراصنة البحار والهاربين من بلادهم من المحكومين بارتكاب الجرائم, وفي أحسن الأحوال من مغامرين لا يتمتعون بأية موهبة علمية أو أدبية أو فنية, ثم هي الآن, أكثر دولة سارقة للآخرين في العالم, وهي مثل المصارع الذي لا يتوقف عن استعراض عضلاته لبث الخوف والرعب في الآخرين, الذين لا يسعى إلى نيل احترامهم أو حبهم, بل يسعى إلى أن يحظى بخوفهم منه . 
لا يبدو الرجل_ترامب_ لا في شكله ولا مضمونه, أنه رجل سوي, أو مثير لارتياح من يراه أو يسمعه, وهو وجه قبيح على أي حال للبلد التي يمثلها, وقد أثبت كل هذه المشاعر نحوه التي شعرت بها مئات ملايين البشر, منذ أول لحظة بدأ فيها ينشر فحيحه كما لو كان ثعبانا, فحيح الكراهية والحقد والتهديد بالقهر, أي منذ لحظة ظفر بترشيح الحزب الجمهوري, وبدت له حظوظ بأن يكون رئيس الولايات المتحدة, حيث اتسع الاهتمام به ليشمل كل أرجاء الأرض . 
في خطاب الاتحاد, طلب ترامب من الكونغرس أن يكون أكثر يمينية مما هو عليه, بأن يحجب المساعدات الخارجية عن الدول التي صوتت ضد إعلانه القدس عاصمة لدولة الاحتلال الأسرائيلي, كما تطرق لنظام الهجرة, والتي يسعى إلى أن يغلق أبوابها منذ كان مرشحا رئاسيا, كذلك أعلن عن توقيعه أمرا تنفيذيا بالإبقاء على غوانتانامو في كوبا .
ترامب الذي وصلت شعبيته إلى 40% في بلاده بخطاب الاتحاد يظهر حقيقة الطريق الذي ستسير عليه الولايات المتحدة الثلاث سنوات القادمة وربما السبع سنوات أي حتى العام 2024, وهو التقليل من عدد الأصدقاء في الخارج, فحجب المساعدات عن كل من صوّت ضده في الأمم المتحدة يعني الغالبية الساحقة للعالم, كذلك إغلاق أبواب الهجرة, يعني عزل الولايات المتحدة, وتقوقعها الداخلي, كذلك الإبقاء على غوانتانامو الذي يشبه معسكرات النازي في الحرب العالمية الثانية, يبقي الوجه السيء والقبيح لأمريكا, وهذا يعني بأنها مع العام 2024 لن تكون لا الدولة التي تقود العالم, وربما حتى ليست واحدة من الدول التي تقود عالما متعدد الأقطاب . 
يواصل ترامب عداءه للآخرين بإظهاره وبحديثه المبالغ به عن عظمة أمريكا, وفي السياق يشن حربا صهيونية ضد الشعب الفلسطيني الذي يعتبر ضمير العالم الآن, كما لو كان يمينيا أو حتى مستوطنا إسرائيليا, فهو يعتبر إعلانه تجاه القدس عملا سياديا أمريكيا, ولا يجد من يسأله عن معنى أن يكون قرار مضاد للشرعية الدولية وللقانون الدولي سياديا أمريكيا, إلا إذا اعتبرنا أن السيادة الأمريكية هي خارجة عن القانون الدولي . 
هكذا هو حال إسرائيل التي تصدر قرارات وقوانين احتلالية باستمرار, وهي دولة على أي حال, لكن حين يتعارض ما تصدره أية دولة من قوانين مع القانون الدولي, فإن تلك القوانين تعتبر باطلة, وحين تكون كل المنظومة القانونية لتلك الدولة متعاكسة مع القانون الدولي تعتبر تلك الدولة مارقة وخارجة عن القانون .
ترامب يخرج أمريكا عن السياق العالمي, محاولا أن يضعها فوق العالم, لكنه في الحقيقة, وهو أغبى من أن يدرك هذا, إنما يقوم بإخراجها من الإطار الكوني, ويضعها ليس فوق العالم, بل على قارعة الطريق . 
شيئا فشيئا وخلال الأعوام السبع القادمة, وبالتدريج, ستنكمش الولايات المتحدة, وستتضاءل قوتها وقدرتها على التأثير العالمي, وستخرج من دائرة المنتصف أو من مركز القرار العالمي, وسيظهر ذلك جليا من خلال عجزها عن إظهار الحكمة أو الحنكة أو القدرة على حل العديد من المشكلات العالمية, وحين تهتم فقط بنفسها, فلن يهتم بها أحد, وحين تهتم بأصدقائها فقط, فإنها تفتح الباب واسعا لنشوء التكتلات الدولية . وهي فعلا خاصة بتوثيق غير مسبوق لعلاقتها مع دولة مكروهة جدا عالميا, هي إسرائيل, ليس لها الكثير من الأصدقاء, وإن كان لديها الكثير من العلاقات, لكن حين تكون العلاقة من جانب واحد, أو يكون احد طرفيها شديد الطمع وأنانيا, فإن العلاقة لن تستمر.
ملخص القول أن الولايات المتحدة, تعود أدراجها إلى ما كان عليه حالها مطلع القرن العشرين, أي دولة منطوية وراء البحار, دولة نائية, ورغم أن عالم اليوم هو غير عالم القرن التاسع عشر, أي أصبح عالما متعولما, أو متداخلا أكثر من ذي قبل, فان نزعة ترامب للانكماش وعدم الدخول إلى العالم الخارجي إلا من أبواب السيطرة والقهر والاستبداد, ستقود بلاده إلى العزلة أو تطيح به, كأجراء غير مسبوق في تاريخ بلاده . 
أخيرا نقول, انه ربما تقود هذه النزعة إلى سياسة داخلية قبيحة فيها روح التمييز العرقي, بين البيض والسود مجددا أو بين الأمريكان من أصول أوروبية وأصول آسيوية وافريقية, ليدخل ترامب الولايات المتحدة في نفق التفكك, بحيث يكون سببا في انقطاع عقد الاتحاد, فلا يكون هناك اتحاد يتحدث عن حالته العام القادم أو الذي يليه, حين تظهر نزعات الاستقلال في كاليفورنيا وغيرها من الولايات الأمريكية .