جريمة ترامب الثانية

جريمة ترامب الثانية


آخر تحديث: January 29, 2018, 6:12 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لن يتوقف البيت الأبيض عن المضي في متابعة هجومه الاستراتيجي على الشعب الفلسطيني, عند حدود إعلانه القدس عاصمة لدولة الاحتلال, ولا عند حدود الاكتفاء بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى المدينة المحتلة, ولا نقصد بهذا تأكيده على هذا الإعلان من خلال الإقامة المؤقتة لطاقم السفارة في المدينة إلى حين تشييد المبنى المناسب واللائق للسفارة والذي يحتاج وقتا, قد يكون عاما كما يأمل بنيامين نتنياهو أو عامين, كما يقول دونالد ترامب, فيما يشبه حقنة التخدير للجانب الفلسطيني, لاحتواء أو للتقليل من رد الفعل, الذي يعرقل إلى حد ما الهجوم الأمريكي, الذي يتعامل مع إسرائيل كما لو كانت ولاية أمريكية يقوم بحمايتها وتحقيق كل ما تريده من تفوق وسيطرة في المنطقة بأسرها . 
لكننا نشير هنا, إلى أن الخطوة الأمريكية الخاصة بالإعلان تجاه القدس, ما هي إلا خطوة أولى ضمن سياسة أمريكية عدوانية لتصفية كل بنود الملف الفلسطيني, حيث أن الولايات المتحدة, على ما يبدو تريد أن أو أنها تسعى إلى تعويض إخفاقاتها في أكثر من مكان, منها عجزها عن ردع كوريا الشمالية, أو إخفاقها في مواجهة إيران, كذلك فشلها في منع الوجود القوي لروسيا في المنقطة, والذي تحقق عسكريا في سوريا, وسياسيا في أكثر من مكان بالشرق الأوسط, بما في ذلك كل من الخليج العربي, مصر, وحتى إسرائيل التي لا تجد سوى روسيا لتتفاهم معها في ما يخص الملف السوري, وتركيا التي كانت حتى الأمس القريب حليفتها إلى جانب إسرائيل في المنطقة, والتي قامت بتطبيع علاقاتها مع روسيا بعد محاولة الانقلاب على النظام في يوليو/تموز العام 2016, وحتى نزع فتيل التوتر بين تركيا وإيران . 
لا تجد الولايات المتحدة, مع هذه المعادلة السياسية في الإقليم سوى الملف الفلسطيني لتحقق فيه الانجاز وتبعد إسرائيل عن الدب الروسي, حيث من المعروف أن إسرائيل دولة براغماتية جدا, وهي فعلا ومنذ عدة سنوات مضت, بدأت في محاولة طرق أبواب موسكو وحتى بكين بعد أن لاحظت تآكل النفوذ الأمريكي في المنطقة, وفعلا كان من شأن إعلان ترامب الخاص بالقدس أن دفع نتنياهو إلى عودة الالتصاق بواشنطن, بعد أن شهدت سنوات عهد باراك اوباما برودا نسبيا توج في مجلس الأمن آخر أيام اوباما في البيت الأبيض بامتناع واشنطن عن استخدام الفيتو ضد قرار يدين الاستيطان . 
وحتى قبل أن تعلن واشنطن رسميا عن "صفقة القرن" فأن الخطوط العامة لهذه الصفقة باتت تلوح في الأفق, وهي تتوافق تماما مع برنامج اليمين الأسرائيلي السياسي, وتتجاوز حتى كل ما كانت حكومات اليمين التي تلت أوسلو على استعداد للموافقة عليه, وكل ذلك يعود لما حدث ما بين عامي 2011 وحتى  الآن, وفي السياق ما حدث خاصة على الصعيد الفلسطيني منذ عام 2007 وحتى اللحظة . 
أي أن ما كانت إسرائيل على استعداد للموافقة عليه من دولة فلسطينية منزوعة السلاح على أكثر من 90% من أرض الضفة وغزة, مع تبادل أراض,  وما كانت على استعداد لقبوله من حل داخل القدس حسب مقترح كلينتون من توزيع للأحياء العربية واليهودية, وحتى من عودة اللاجئين لدولة فلسطين وعودة نسبة محدودة لإسرائيل نفسها, وما إلى ذلك لم تعد تقبل به, لأن الطرف الفلسطيني قد أنهك أولا بسبب الانقسام منذ احد عشر عاما, وثانيا بفضل ترهل السلطة القائمة على أساس أوسلو, أي على أساس عدم العداء وحتى عدم مكافحة أو مواجهة إسرائيل, بل في سياق التفاوض معها, ومحاولة إقناعها بأن تمنح الفلسطينيين حقوقهم, فقط بدافع الخشية من تدهور الأمور ومن أن يتسبب عدم الحل بحدوث انتفاضة ثالثة, أو من توتر الإقليم وإشعال الحريق فيه ضد إسرائيل . 
لم يحدث هذا بالطبع, وحتى الإقليم منذ 7 سنوات يحترق داخليا وبعيدا عن إسرائيل, لذا فإن الظروف قد تغيرت, وبات الطرف الفلسطيني في أكثر حالاته ضعفا, كذلك المحيط العربي بات ضعيفا جدا, وغير قادر لا على إسناد الشعب الفلسطيني في انتفاضة جديدة ولا في مواجهة سياسية حتى, وقد تأكد كل هذا من خلال الإعلان الخاص بالقدس . 
كان الصمت الرسمي العربي هو الإطار العام الذي قبول به إعلان ترامب, وكان الوجوم هو طابع الشارع العربي, فيما كان عقد المؤتمرات هو رد فعل العالم الإسلامي, أما الجانب الفلسطيني الرسمي منه فلا حيله له سوى المنظمات الدولية, وهذا أمر "مقدور" عليه من قبل أمريكا وإسرائيل, فحتى لو حقق الفلسطينيون انتصارات عظيمة على الصعيد الدولي, فإن "حديث السرايا هو غير حديث القرايا", أي أن ما يحدث على الأرض لن تمنعه القرارات على الورق . 
المهم أذا, أن الخطوة التالية من الهجوم الأمريكي هي نحو حق العودة الخاص باللاجئين الفلسطينيين, ومعروف أن حق العودة والقدس كانا اخطر بندين على جدول أعمال مفاوضات الحل النهائي, أي أن إسرائيل لم تعد تنتظر ولا تسعى للتفاوض مع الجانب الفلسطيني, بل هي بصدد أن تحل بنود الملف من جانب واحد, وبمساعدة الولايات المتحدة, وبعد قرارات واشنطن الخاصة بتجفيف موارد وكالة الغوث الدولية, بهدف إزالة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين من الوجود, فإن عينها بعد ذلك على التوطين . 
التوطين أذا هو الجريمة التالية التي سيرتكبها دونالد ترامب بحق الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية, وفي دافوس حيث شارك رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في مؤتمر الاقتصاد العالمي, يقال بأنه سمع كلاما مقلقا للغاية من الملك الأردني عبد الله الثاني الذي حذره من خطر التوطين القادم لا محالة .
ومع أن حديث التوطين هو حديث قديم لكن هذه المرة لا يفكر ترامب حتى في دفع ثمن التوطين, الذي كان الحديث يدور عنه سابقا متضمنا منح الدول المضيفة مليارات الدولارات لإقامة البنى التحتية ومدن الإقامة . ويقال أيضا بأن الجانب الأردني تحدث عن أن صفقة ترامب ستكون جاهزة وستعرض على الأطراف للتنفيذ في شهر آذار القادم .