عودة محتملة للمفاوضات !


آخر تحديث: January 25, 2018, 6:10 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

... على كل حال, لم تكن زيارة نائب الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط, رغم أن المقاطعة الفلسطينية لها, ألقت بظلالها عليها, وقللت الكثير من شأنها, لم تكن بلا فائدة على الإدارة الأمريكية, فهي أولا نزعت إلى حدود كبيرة فتيل التوتر بين تل أبيب وعمان, حيث استبقت إسرائيل الزيارة بتقديم اعتذار للأردن وتعويض"دية" أو فدية القتيلين, في السفارة, ورغم أن القاهرة استبقت الزيارة بعقد مؤتمر الأزهر الدولي, إلا أن تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير, كذلك التصريحات الرسمية التي خرجت من عمان, تشير إلى أن الخطاب الرسمي العربي, هاديء اللهجة, ولا يتضمن ما يوحي بغضبه على واشنطن جراء إعلانها اعترافها بالقدس عاصمة للاحتلال الأسرائيلي ونيتها نقل سفارة بلادها من تل أبيب إلى المدينة المحتلة .
نائب الرئيس الأمريكي خرج من عمان, وهي ربما كانت أصعب مكان يذهب إليه _بعد رام الله بالطبع_ نظرا إلى كون الأردن هو صاحب الولاية الدينية على الأقصى, بالاتفاق مع العاهل الأردني على أنهما مختلفان بشأن إعلان ترامب, وهكذا ذهب بنس إلى إسرائيل لينطلق في مهمته التي أقل ما يمكن أن يقال فيها, بأنه مارس انحيازه كما لو كان إسرائيليا لا يقل عن اليهود المتدينين ولا عن المستوطنين تشددا وتطرفا, وعداءا للمشاعر والحقوق الفلسطينية . 
الهدوء الذي يجتاح المحيط العربي, يعتبر بالنسبة لواشنطن إنجازا, حيث يبدو الفلسطينيون يقاتلون _وحدهم_ خاصة على الجبهة الدولية, حيث أن التحرك الفلسطيني يحقق انجازات بدوره إن كان على المستوى الأوروبي بإغلاق الشقوق ومنع إقدام بعض الدول الأخرى على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل, كما فعلت أمريكا, أو من خلال دفع المواقف الأوروبية خطوة إلى الأمام بالاعتراف المضاد بدولة فلسطين . 
اخطر ما جاء من ردود فعل عربية _ بتقديرنا_ بمناسبة زيارة بنس للمنطقة هو تصريح عادل الجبير وزير الخارجية السعودي, بأنه يجب انتظار المبادرة الأمريكية, والخطورة تبدو مركبة, فالتصريح جاء أولا لصحيفة إسرائيلية, هكذا ضمن فعل تطبيعي فاضح, هي صحيفة معاريف, وخلال مشاركته في مؤتمر الاقتصاد العالمي في دافوس, ثم ثانيا بالإشارة لمتنه الذي يقول بإمكانية التفاوض وكأن إعلان ترامب لم يكن, واستنادا إلى عودة الثقة . 
وأضاف الجبير بأنه إذا كانت هناك عناصر يقبلها الطرفان في المبادرة, حينها يمكن تجديد المفاوضات على الرغم من الأزمة الراهنة المحيطة بإعلان ترامب حول القدس !
يمكن أن يفهم بأن العرب الرسمين, خاصة منهم "المعتدلين" يخشون أمريكا التي لا تغضب كوريا الشمالية ولا إيران ولا تركيا ولا روسيا والصين بالطبع, ولا تخيف القيادة الفلسطينية ولا الشعب الفلسطيني أصلا, لكن أن لا يردوا بشيء من الغضب على إسرائيل, فهذا أمر لا يمكن فهمه, إلا على أنهم قد اجتازوا الخطوط الحمراء, التي تفصلهم عن مشاعر  الشعوب العربية ومصالحها. 
ربما والحال هذا أن لا يطول الوقت حتى نجد بعض العواصم العربية تضغط على رام الله للقبول بالمشاركة في مفاوضات قادمة بعد أن تعلن واشنطن خطتها الإقليمية, التي أعلن الدكتور صائب عريقات قبل أيام عن خطوطها العامة الرئيسية والتي تحقق الهدف الأسرائيلي القديم بفرض الحكم الذاتي على الضفة الغربية, وذلك من خلال وضع القيادة الفلسطينية بين خيارين أحلاهما مر: فإما أن تقبل بالمشاركة في مفاوضات لتنفيذ وحتى ليس لمناقشة الخطة الأمريكية, أو عدم المشاركة ليبارك العرب تنفيذها من قبل إسرائيل, ويكون عدم المشاركة مبررا لتنفيذ الخطة من جانب واحد .  
الولايات المتحدة التي تواجه مع إسرائيل الهجوم الفلسطيني الذي بدأ برفض أمريكا كراع للعملية السياسية, بمحاولة إغلاق الباب أمام الرباعي الدولي, تصر كما قالت الناطقة باسم الخارجية الأمريكية يوم الثلاثاء الماضي على الرعاية المنفردة للعملية السياسية . 
مقابل ذلك وبعد أن رفعت واشنطن العصا بوجه رام الله, يمكن أن ترفع الجزرة لاحقا, والجزرة بتقديرنا تتمثل في "تعليق" شكلي لإجراءات نقل السفارة, خاصة وان ترامب قال بنفسه وردا على نتنياهو قبل أيام بأنه لن يتم نقلها خلال هذا العام, ليؤكد بنس أن نقل السفارة سيتم قبل نهاية 2019, أي أن هناك عامان هما 2018+2019, سيتم وضع الرقبة الفلسطينية على مقصلة الحل الأمريكي/الأسرائيلي خلالهما, لقبول الخطة, مقابل القول بتعليق نقل السفارة, أي تنفيذ الخطة خلال عامي 2018+2019, لتنتهي إجراءات تحقيق السلام بنقل السفارة الأمريكية . 
بذلك يجري التعامل مع الفلسطينيين كما حال الأقليات العرقية في المنطقة, لكن مع الفارق بأن إسرائيل لن تكون "دولة فدرالية" ولا دولة لكل مواطنيها, بل دولة يهودية, هذا ما يقوم البيت الأبيض بالشراكة مع الحكومة الإسرائيلية برسمه, لكن نقطة ضعف كل هذا السيناريو تكمن في عدم أخذه بعين الاعتبار ما يمكن أن يقوم به الشعب الفلسطيني, كذلك ما يمكن أن يحدث في المنطقة والعالم من تغيرات, بل ولا حتى ما يمكن أن يحدث في أمريكا نفسها, فقد نسيت تل أبيب سنوات الصخب التي كان يجره عليها احتلالها وقمعها اليومي للشعب الفلسطيني في كل أنحاء العالم, بسبب ما وفره لها التفاوض من هدوء, يبدو أن إرهاصات الكفاح الشعبي قد بدأت تفتح له الأبواب مجددا, وما أن تنفجر الأوضاع بشكل دراماتيكي حتى تجد إسرائيل أن أحدا من العرب المتهالكين لن يجروء على الحديث الودي معها, وفتح جبهة الصراع مجددا مع إسرائيل يغلق كل الأبواب المواربة, فالعرب والمسلمون يختلفون  على كل أمر إلا على فلسطين فيجتمعون عليها, لذا فان معركة دبلوماسية حول التفاوض قادمة, وأقل ما يمكن اشتراطه هو إلغاء إعلان ترامب, قبل الموافقة على المشاركة فيها. 
خلاصة القول, بأن السلطة عبر ما قاله صائب عريقات من اشتراط تراجع واشنطن عن إعلانها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل, للعودة للتعامل معها كراع تفاوضي, كذلك الموقف العربي الهاديء, كلاهما ما لم يقم الشارع الفلسطيني بالضغط عليهما, يمكنهما أن يستجيبا  لضغط أمريكي والدخول إلى مفاوضات بالرعاية أمريكية .