المشهد الانتخابي في مصر والبرنامج الرئاسي المتوقع


آخر تحديث: January 23, 2018, 1:23 pm


أحوال البلاد
بقلم: مركز الأهرام للدراسات السياسية واللاستراتيجية

منذ إعلان الهيئة الوطنية للانتخابات موعد الانتخابات الرئاسية في مارس 2018، بدأ المشهد يشوبه نوع من التوجس والانتظار، والتشكيك في بعض سماته، حيث بدأ الحديث عن الجدول الزمني المعلن وكأنه سقط من السماء دون ترتيب مسبق، رغم أن النظام السياسي القائم يمهد للمشهد منذ فترة. فهو من ناحية، يعد عملا بالمادة 140 من الدستور التي تنص على أن تبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بمئة وعشرين يومًا على الأقل، وهو ما تم بالفعل بإعلان الهيئة الوطنية للانتخابات الجدول الزمني يوم  8 يناير 2018 التزاما بالمدة المقررة في الدستور.

كما أنهت الحكومة  في أبريل عام 2016 مشروع قانون في شأن الهيئة الوطنية للانتخابات، والذى تم إرساله إلى قسم التشريع بمجلس الدولة لمراجعته بعد موافقة مجلس الوزراء عليه، وهي الهيئة المنصوص عليها فى دستور 2014، من خلال 3 مواد بالدستور، هي المواد 208 و209 و210. تعرّف هذه المواد الهيئة واختصاصاتها وتشكيلها. وقد وافق على مشروع القانون مجلس النواب، وصدق عليه السيد الرئيس في أغسطس 2017.

انتقل الحديث إلى الجدول الزمني للانتخابات، علما بأنه لا يختلف كثيرا عن الجدول الزمني الذي وضعته –آنذاك- اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية في عام 2014، وإن كان الجدول الحالي يزيد في عدد أيام الانتخاب، والتي وصلت إلى ثلاثة بدلا من يومين، وذلك لأن العديد من المؤسسات الخاصة والعامة لم تعط الموظفين والعاملين فيها أيام الانتخابات إجازة، كما لم يستطع العديد من الناخبين الوصول إلى مقر اللجان الانتخابات لبعدها عن مكان العمل، مما تسبب في عدم ذهاب العديد من الناخبين للإدلاء بأصواتهم، ولذا زادت دعوات مدّ مدة التصويت ليوم ثالث، وهو ما تداركته الهيئة الوطنية للانتخابات.

لكن من الملاحظ أن أيام التصويت للمصريين في الخارج في الجولة الأولى وفي الإعادة أيام الإجازات الرسمية بالخارج جاءت أيام الخميس والجمعة والسبت، بينما جاءت في أيام العمل داخل مصر، وهي الاثنين والثلاثاء والأربعاء، مما سيكرر المشهد السابق هذا العام، وعزوف عدد كبير من الناخبين عن الذهاب إلى اللجان الانتخابية، خاصة أن عمل اللجنة ينتهي الساعة السادسة من مساء يوم الانتخاب، ويعد تحديا لوصول الناخبين في وقت الانتخاب بعد الانتهاء من العمل.

الأحزاب السياسية والمشهد الانتخابي:

بدأ الحديث أيضا عن عدم الإعلان عن مرشحين، وأن الأمر لا يتعدى إعلان حسن النية، وهو استباق للأحداث يعكس حالة من القلق بألا يترشح أمام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مرشح أو أكثر، رغم أن المادة (36) من قانون الانتخابات الرئاسية، الصادر في مارس 2014، نصت على أن يتم الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية حتى لو تقدم للترشح مرشح وحيد، أو لم يبق سواه بسبب تنازل باقي المرشحين. وفى هذه الحالة، يعلن فوزه إن حصل على 5% من إجمالي عدد الناخبين المقيدة أسماؤهم بقاعدة بيانات الناخبين. فإن لم يحصل المرشح على هذه النسبة، تعلن لجنة الانتخابات الرئاسية فتح باب الترشح لانتخابات أخرى خلال خمسة عشر يوما على الأكثر من تاريخ إعلان النتيجة، ويجرى الانتخاب في هذه الحالة وفقا لأحكام هذا القانون.

يمكن القول إن تأخر إعلان مرشحين على الساحة السياسية، والذين يجب أن يتم الترويج لهم ولبرامجهم الانتخابية قبل عام من انتهاء الفترة الرئاسية للرئيس عبد الفتاح السيسي، يعكس حالة التشرذم السياسي التي تعيشها الأحزاب السياسية في مصر، والتي بلغ عددها الثمانين حزبا، في حين لم يستطع دخول مجلس النواب إلا خمسة عشر حزبا فقط منها. والمؤسف هو حصول هذه الأحزاب على عدد قليل من المقاعد. ويتراوح عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب من مقعد إلى 65 مقعدا حصل عليها حزب المصريين الأحرار، والتي وصلت إلى245 مقعدا بنسبة  39% من مقاعد البرلمان، وحصل المستقلون على 351 مقعدا بنسبة 56%.

لم يشهد مجلس النواب محاولات للاندماج بين الأحزاب السياسية الموجودة فيه لتنظيم حزبين كبيرين قادرين على تشكيل الحكومة وقادرين على ضم المستقلين لهما. والمتتبع لما يحدث داخل الأحزاب السياسية يلاحظ وجود صراعات سياسية داخلية فيها على المناصب. وقد شهدت هذه الأحزاب استقالات كثيرة من رؤساء فيها، ومن أعضائها في اللجان العليا.

هذا المشهد يعكس عدم نضح الأحزاب السياسية رغم التطور الذي شهدته الساحة السياسية المصرية، وقيام ثورتين، وتغيير نظامين سياسيين، فضلا عن مرور مصر بثمانية استحقاقات منذ عام 2011. وهذا الأمر يستبعد معه قدرة الأحزاب السياسية على تفعيل الدستور الحالي، خاصة ما يهدف له من تداول للسلطة وفق آليات ديمقراطية واضحة.

الصحيح أنه في الفترة الأخيرة، بدأت بعض الأحزاب في الإعلان عن تأييدها لبعض المرشحين، إلا أنها خطوة متأخرة، ولا تتسق والمشهد الانتخابي المصيري لهذا الوطن.

يجب التنويه إلى أن القوانين لا تستطيع أن توقف ترشح شخصيات قد لا تعكس خبرة في العمل السياسي، أو لها تحالفات داخلية أو خارجية مشبوهة، ولكن المواطن المصري لديه القدرة على الفرز في ظل الحقائق التي تكشفت له، وتمكنه من اختيار المرشح المناسب لهذا المنصب الأهم في الدولة.

البرنامج الانتخابي للرئيس القادم:

يسيطر البرنامج الانتخابي للرئيس القادم على المشهد، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مصر لديها استراتيجية مصر 2030، والتي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في فبراير 2016، والتي تعد السياق العام لأي برنامج انتخابي رئاسي، والتي  يجب ألا يحيد عنها، فضلا عن كونها خريطة الطريق التي ترسم ملامح مستقبل مصر، وفى إطارها تم إعداد برنامج الحكومة متوسط المدى حتى يونيو 2018 والذى عرضه رئيس مجلس الوزراء على مجلس النواب في 27 مارس 2016 وتمت الموافقة عليه.

ملامح البرنامج الانتخابي:

يمكن القول إن هناك خطوطا عريضة للبرنامج الانتخابي للرئيس القادم، وهدفها الاستمرار فيما تم إنجازه لتحقيق استراتيجية مصر 2030 كالآتى:

على المستوى الداخلي:

الاستمرار في إنجاز عملية التحول الديمقراطي بخطى أسرع مع علاج بعض السلبيات في هذا الصدد، في ظل إقامة دولة مدنية عصرية في مصر.

المضي قدمًا في عملية الإصلاح الاقتصادي مع التركيز على تحسين الأحوال المعيشية لأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، وتوسيع نطاق الدعم للفقراء، وزيادة وتيرة إصلاح العشوائيات، والنهوض بالقرى الفقيرة، والذي يستأثر الصعيد بالأغلب الأعم منها.

إنجاز المشروعات القومية التي بدأ العمل بها، خاصة مشروع العاصمة الجديدة، وإصلاح المليون ونصف المليون فدان، والتنمية الاقتصادية لمنطقة محور قناة السويس، ومشروع تنمية سيناء، وأيضًا المشروع القومي للطرق، وأنفاق سيناء والبدء في المشروع النووي المصري بنشاط.

الاستمرار في محاربة الإرهاب بحزم مع التركيز على الجبهة الغربية التي يحاول الإرهابيون الهاربون من سوريا والعراق التسلل منها إلى مصر.   

الاستمرار في دعم القدرات العسكرية لمصر لمواجهة الخلل الاستراتيجي الذي تعرضت له المنطقة وضمان حماية الأمن القومي المصري.

على المستوى الخارجي:

عدم توريط مصر في حروب بالمنطقة لا تحتملها دولها وشعوبها.

الاستمرار في انتهاج سياسة خارجية متوازنة تحافظ على المصالح المصرية، بعيدا عن عمليات الاستقطاب الدولي، وتوسيع دائرة أصدقاء مصر من الدول، خاصة المهمة والمؤثرة في المنطقة والعالم.

ختاما، لا يمكن إنكار أهمية الانتخابات الرئاسية، التي تعكس مسئولية مشتركة من قبل من سيتقدمون للترشح، ومسئولية الأحزاب السياسية، وكذلك المواطن المصري الذي يعد الحكم الأساسي في هذا المشهد، لأنه قادر على تقييم المرشحين، وتقييم برامجهم الانتخابية، واختيار من يستطيع تحمل المسئولية، واستكمال البناء الذي تم بالفعل، وأصبح هناك إدراك كبير له.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

"السياسة الدولية" الصادرة من "مؤسسة الأهرام" مصر.