ليس من الطبيعي ..فربما.

ليس من الطبيعي ..فربما.


آخر تحديث: January 22, 2018, 8:58 pm


أحوال البلاد
بقلم: نسرين صيام

ليس من الطبيعي ..فربما...
أحببتك من خلف النسيان
حين تصبح الحياة مجرد سطور،فلا بد أن تملأ جوفها ببعض اللحظات..وهذا ما فعلته بعد غيابك..

لم أكن أعلم أن غيابك سيجرد أيامي من ملامحها..وسيكسوها ثوب البرد والحيرة والوحدة..لليوم آهته المتشبعة بالحنين..ولليل عطر يشبه عطرك المتغلغل بين أضلاعي..اشتقت اليك..فاشتقت لكلماتي..

غربة وضوء وورقة..قلم وحبر وحلم..أصدقاء جدد تعرفت عليهم بشقاوة الوحدة وبجنون الليل..غربة تجمع الماضي والحاضر كسلسلة ملونة بلون الحب الذي أراوده شغفا..بلون شفاها أشعلتني لسنين.. تلك شفاهك كانت كنجوم تلألأت بشهوة الذكاء.. قاسية كعيناك..بعيدة لبعد النجوم..فلم لا نستطيع معاشرة النجوم والعيش بين السحاب..كحلم طفل رسم السماء زرقاء بكل فصل.. 

أنت التي كنت تزرعين جدراني بزهو ابتسامتك وتعلقين أمنياتنا كألبوم صور..أنت التي كنت سيدة الوقت بكل وقت..وأنا الذي أحببتك وجعلت من صفحات جسدي وطن ألملم نقاط أنوثتك المرتبة بإتزان..

عيناك القاسية التي أعشق قساوتهما..وأنفك المرسوم كحبة عنب تحلو وقت الصيف..وشفاهك الكرزية بلون الحب ..شامة تتوسط خديك المشبعتان بعطري..وشعر مسدول كليل اندثر سهوة ..كوشاح يخفي نصف جمالك..أحبه وأعشق سواده الغالب عستار ليلي..

اليوم الواحد والعشرون من الشهر الجاري..يصادف اليوم ذاته الذي رسم القدر لي وجودي..أذكر حينها كنت تبتسمين لصفحة المجلة الملونة..أدركت انك لا تهوي لعبة الكلمات المتقاطعة ..لكني أهوى الحروف والكلمات القاطعة..أدكرت أنك طفلة مبتسمة لكل صورة ولكل كلمة..فأنت طفلة تهوين الرقص على السطور..امرأة تحاول اللعب على عشرين حبلا..تعشق العطر المتطاير وتخاف كل ما ينهي سطرك..فمشكلتك كانت مع نقطة النهاية الحاسمة ..

لو أنك أدركت بأن سفري لم يكن الا لشهر واحد..وأنه متعلق بعملي وأني سأرجع اليك ونكمل السطر بوضع فاصلة بين الكلمات.. لكنك رسمت نقطة نهاية الأمر دون أي اذن مسبق..فبأي حق تجمعين أحلامنا المعلقة عالجدران وتسرقين جنون حبنا وتغادري..سفر بلا رجوع..لحب آخر ..مع رجل آخر

لم الأيام ترسم نقاطها عبثا..لم الابتسامة بذاك اليوم كانت كذبا..لم الأسماء تتشابه دوما..أنت التي أحببتها ..أنت التي هجرت عائلتي لأجل قربك..سأنتقم من كل نجمة لمعت بذاك اليوم..من كل فاصلة رسمتها غباءا، من كل لحظة أضعت بها ذاتي بين نارك ..أنت وأنا ..ماض وحاضر سوف يأتي.

.
تذكرين حين سألتك من أنت؟ أجبت بذكاء وربما ذكاؤك هو ما أعجبني ..
قلت : أنا جزء منك..!!
استغربت لحظتها وقلت: ومن أي جزء؟
صمت حينها وربما دفعك غبائي للإستمرار بحكايتك..وأخفضت صوتك وتمتمت كأنك تساعديني بحل اللغز..ألست أنت ابن آدم؟..

كم كنت غبي ..فعلا يا ابنة حواء أنت جزء مني..وأجمل جزء..وكيدك أعظم..وضحكت فضحكتِ..ضحكنا عقصة قديمة.. عقواعد الحياة وسبب استمرارها..ولكني لم أكن أعلم بأنك كنت الشيطان أيضا..
شيطان أغواني بك وأخرجني من واقع لحلم..من ظلم الإستقامة لنور الإنحراف ..أنت شيطان يخرج القلب من الجوف..يخرج الوطن من العقل ليزرع جسد..أنت الشهوة بذاتها..
حذفت الحلم وحرقت الصور وحتى أنك سلبتي مني الحروف والفواصل فما عدت ماهر الا برسم النقاط بأواخر السطر..

نقطة بآخر السطر كم كان درسا صعبا ونحن صغار..أذكر بأني كنت أبدع برسم الفواصل والشرطات وكم كنت أحب اختصار الجمل بكلمات..ف"طبعا" كان استخدامها جوابا بكل الأحيان..و"قطعا" للهروب من الاجابة ..وأحيانا "ربما" .."اذن"..

و"احتمال" هي أقوى كلمة بالوجود..ففعلا الحياة جميعها احتمالات..لو أن الاحتمال ..ليس احتمالا وأنه جزم..كحرف "لم" يجزم ويبقى ما خلفه ساكنا..فيا ليتني " لم" أقابلك وبقيت حياتي ساكنة ..أنا وحروفي وجدران غرفتي..والنجوم التائهة مع شعري وأوتاري..ياليتني "لم" أحبك بجنون ..

الآن أشعر بسكون الحياة بفرنسا..بشجرها بأنهارها وبلهيب سيجارتي الممتد عخط مستقيم دون أن تعيقه هضاب جسدك ..
أجلس بمطعم قريب من حديقة عامة وقد بان على شعري بعض الشيب..أحمل بيدي دوما اصدقائي القلم والدفتر الصغير..دفتر لون أوراقة بيضاء معطرة برائحة أنفاسك..أحبه لأنه منك..أنه جزء منك يا حواء الصغيرة..

لو أن الشهر الذي سافرت به لم يكون طويلا مثلا ..أليس هناك احتمال بأنك تجلسين بجانبي الان تحتسين معي القهوة الساخنة المتراقصة مع زخات المطر..

كم كنت تعشقين رائحة القهوة وتتمنين لو أنك تصبحين قهوتي لأرتشفك بجنون..لقد خلقتي الغيرة بينك وبين قهوتي ..لأصبح أرى سواد شعرك كلون البن وشفاهك جعلتهما بطعم قهوتي..كم أنت شقية ..
اذن أنت الآن بين يدي..أرى شعرك الملتف بفنجان زجاجي وأتذوق شفاهك مع ألحان المطر الذي يدق زجاج ذكرياتي..آه لو تعود الأيام تلك..لعشقت القهوة أكثر منك..