بنس يمهد الطريق لصفقة القرن


آخر تحديث: January 22, 2018, 1:00 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

رغم أن واشنطن اضطرت على وقع ردود الفعل الصاخبة على إعلانها اعترافها بالقدس عاصمة للاحتلال الأسرائيلي في شهر ديسمبر/كانون أول الماضي, إلى تأجيل زيارة نائب الرئيس مايك بنس للشرق الأوسط, كذلك إلى عدم تضمين تلك الزيارة لقاء الرئيس الفلسطيني في رام الله, أسوة بلقائه الرئيس المصري في القاهرة والعاهل الأردني في عمان, ومن ثم رئيس الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب, إلا أن الزيارة قد بدأت السبت وتتواصل حتى الرابع والعشرين من الجاري, وتتضمن زيارة الرجل لحائط البراق, بعد أن تعذر عليه وهو المسيحي/الإنجيلي زيارة بيت لحم, كما تتضمن زيارة صرح المحرقة "ياد فاشيم" . 
برأينا ليس المهم هو ما يعلن قبل أو حتى بعد الزيارة, ولا حتى ما يتضمنه برنامجها, فالزيارة تأتي من رجل نظن بأنه لا يحتل منصبا شرفيا, أو انه بلا صلاحيات, بل ربما كان واحدا من نواب الرئيس القلائل الذين ساهموا بشكل شخصي في رسم السياسة الخارجية لبلادهم, بما يذكر بنواب رئيس أقوياء من أمثال: آل جور, جيرالد فورد, ليندون جونسون وحتى جورج بوش الأب, فهو وقبل مرور عام على تولي دونالد ترامب مقاليد الحكم, نجح في أن يدفع البيت الأبيض لاتخاذ القرار الذي تحفظت واشنطن على مدار اثنين وعشرين عاما على اتخاذه ونقصد بالتحديد, أن يقوم الرئيس بالتعهد بتنفيذ قرار الكونغرس الخاص بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس .
ولأنه الرجل المسئول عن اتخاذ هذا القرار من وراء رئيسه, فإنه يعتبر مسئولا أخلاقيا على الأقل عن "ترميم" الضرر السياسي الذي لحق بمكانة بلاده جراء اتخاذ هذا القرار, وكان مدخله الأسهل هو أن يفتح البوابة الفلسطينية ويدخل منها, لكن إغلاقها في وجهه صعّب عليه الأمر كثيرا برأينا, لكن ذلك وإن كان فرض عليه تأجيل الزيارة للشرق الأوسط, إلا انه ما كان بإمكانه إلغاءها, لذا فقد جاء _بتقديرنا_ من أجل لملمة الأضرار والآثار التي ترتبت على الإعلان الأمريكي الذي كان هو شخصيا احد المتحمسين له, والذي وقف إلى جانب رئيسه لحظة إعلانه في أشارة واضحة ودامغة على أنه يؤيده ذلك الإعلان ويوافق عليه تماما  .
أول ضرر كان في عدم قبول الولايات المتحدة كراع للعملية السياسية, بغض النظر عن تفاصيل خطتها التي تقوم بأعدادها, منذ تولي ترامب_بنس مسؤولية الإدارة في البيت الأبيض, وعدم وجود الجانب الفلسطيني في جهود أحلال السلام أو في محاولة التوصل للحل, يصعّب كثيرا من تمرير الخطة/الصفقة أولا, ومن ثم قبولها أيا تكن خطوطها العامة ثانيا .
لذا فإن مايك بنس يسعى من خلال زيارته لمثلث العواصم المحيطة بالملف الفلسطيني/الأسرائيلي إلى أن "يفكك العقدة" لعل وعسى أن يكون بمقدور بلاده أن تفعل شيئا لاحقا, وهو حيث يعلم بأن الرياض أقل اهتماما وحتى "تشددا" إزاء طبيعة أو خطة الحل, ليس استنادا إلى ما تم تناقله من أخبار مفادها أن العاصمة السعودية حين دعت رئيس السلطة الفلسطينية قبل بضعة أسابيع لزيارة الرياض, حاولت أن تقنعه بقبول الخطة الأمريكية بعد أن عرض عليه ولي العهد محمد بن سلمان الخطوط العامة للخطة, بل أيضا لأن السعودية اقل تقديرا لأهمية القدس كمدينة مقدسة لدى المسلمين وهي التي لديها مكة والمدينة, كذلك هي أقل انخراطا من مصر والأردن في تفاصيل وفصول الصراع الفلسطيني/الأسرائيلي والذي تكتفي منذ عام 1948 بالوقوف إلى الجانب الفلسطيني بالدعم المالي, وبالموقف السياسي العام, ولم تشارك مثل مصر, سوريا, والأردن في الحروب السابقة بشكل مباشر ضد إسرائيل. 
كذلك هي متشوقة جدا هذه الأيام لإقامة تحالف أمني مع إسرائيل لصد الخطر الإيراني على العرش الملكي, لذا فإنها من الطبيعي أن تبدي ليونة أكثر تجاه ملف القدس, وتجاه جوهر وطبيعة الحل الذي يمكن أن تشرف عليه واشنطن لملف الصراع الفلسطيني/الأسرائيلي. وبهذا المعنى فإن زيارة بنس للقاهرة وعمان, كانت تهدف إلى محاولة إقناع العاصمتين العربيتين بأن  تحذو حذو السعودية بقبول صفقة القرن من حيث المبدأ . 
لكن بنس نفسه يدرك صعوبة الأمر, خاصة وان القاهرة استقبلته بمواصلة رفض الإعلان الأمريكي الخاص بالقدس, بل أنها استبقت زيارته بعقد مؤتمر الأزهر الدولي يومي الخميس والجمعة, أي قبل يوم واحد من وصول الرجل للعاصمة المصرية, كذلك استقبله العاهل الأردني بالتأكيد على حل الدولتين وعلى أهمية القدس, مما دفع بنس للقول بأن الحدود السيادية للمدينة المحتلة تحددها المفاوضات .
بالطبع كل هذا كلام, فالمهم هو الفعل والقرارات, لكن من الطبيعي أن يحاول الرجل أن يجد منفذا ما, وهو تحدث عن علاقة إستراتيجية مع مصر, كذلك قامت إسرائيل بتمهيد الطريق له في زيارته لعمان من خلال إعلانها الاعتذار عن إقدام  رجل أمن سفارتها بعمان بقتل المواطنين الأردنيين في مبنى السفارة الصيف الماضي, والموافقة على دفع "الدية" أو التعويض بمبلغ 5 ملايين دولار . 
على الأرجح بأن واشنطن ستفشل في أقناع العرب بالتفاوض على صفقة القرن, ليس لأن القاهرة وعمان لن تكونا معنيتين بها, وحسب, بل لأن إسرائيل أيضا تريد من ترامب أن يطرح الخطة, وأن يرفضها العرب, ذلك أن الرفض الفلسطيني لها, أو استمرار تجاهل الطرف الفلسطيني سيمنع القاهرة وعمان وحتى الرياض من التفاوض نيابة عن الفلسطينيين, لذا فإن بنيامين نتنياهو يريد من أمريكا فقط طرحها ليقوم هو بفرض الحل من جانب واحد على الضفة الغربية على أساسها, بعد أن تم إخراج القدس من قبل واشنطن من الملف, أو من الخطة, وبعد أن تكون إسرائيل قد شرعّت قانون ضم المستوطنات, لتقوم بالخروج, فقط, من مناطق الحكم الذاتي الداخلية, لتترك الفلسطينيين في حرب أهلية للفوز بالسيادة عليها, كما حدث في غزة, فيما تظل عمان والقاهرة تحت تهديد الاستنزاف الأمني وفي ظل أزماتها الاقتصادية, والسعودية في ظل القلق من الخطر الإيراني وفي ظل استنزاف اقتصادي/امني أيضا في اليمن .