محاولة احتواء الموقف الفلسطيني


آخر تحديث: January 17, 2018, 9:59 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لم تنتظر الإدارة الأمريكية حتى يوم الأحد الموعد المقرر لوصول نائب الرئيس مايك بنس لتل أبيب, فأرسلت مبعوثها الخاص جيسون غرينبلات, الذي بالطبع لن يلتقي أيا من المسئولين الفلسطينيين ولا حتى رئيس الحكومة الإسرائيلية, الذي ينتظر بنس, لكنه من المقرر أن يجتمع مع دبلوماسيين من أعضاء الرباعي الدولي: الأمم المتحدة, الاتحاد الأوروبي, الاتحاد الروسي, والولايات المتحدة .
هذا الأمر يدلل على انفعال سياسي حدث لدى البيت الأبيض, بعد اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني, الذي أتخذ قرارات غير مسبوقة, تدل على أن الجانب الفلسطيني لم يعد يحتمل استمرار الوضع هكذا, قرارات لو أنها وجدت طريقها للتنفيذ, ولم تبق حبرا على ورق كما حدث مع قرارات سابقة لجلسات سابقة للمركزي الفلسطيني, فأنها ستحدث تحولا في الشرق الأوسط, وستفتح نافذة على الإدارة الأمريكية لم تكن بالحسبان, وهي بغنى عنها أصلا . 
فلو حقا, اندلعت انتفاضة شعبية فلسطينية, في ظل مقاطعة سياسية رسمية لأمريكا كراع للعملية السياسية ولإسرائيل كطرف, مع وقف التنسيق الأمني وإلغاء عملي لأوسلو, وعدم العودة إلا بعد اعتراف متبادل, تقرّ خلاله إسرائيل بحل الدولتين, أي لو انه انفتحت في الوقت ذاته جبهتان على إسرائيل وأمريكا, واحدة دبلوماسية والأخرى ميدانية, فإن من شأن اندلاع الانتفاضة الفلسطينية أن تحرك المدن والعواصم العربية التي صمتت منذ عدة سنوات, بما يعيد للبوصلة الإقليمية وجهتها الأساسية ضد إسرائيل . 
لذا فإنها إذا كانت زيارة مايك بنس_بتقديرنا_ ستشمل العواصم المحيطة بفلسطين, في محاولة لاحتواء أية ردود سلبية على إعلان البيت الأبيض الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال الأسرائيلي, تطال اتفاقيتي وادي عربة وكامب ديفيد, خاصة بعد أن طالب برلمانيون في كل من مصر والأردن بمراجعة اتفاقيتي الدولتين مع إسرائيل, فيما ما زالت إسرائيل بلا سفير في عمان بعد واقعة قتل الدبلوماسي الأسرائيلي للمواطنين الأردنيين في مبنى السفارة, والمطالبة  باستدعاء سفير الأردن في تل أبيب, وحتى بإلغاء اتفاقيتي السلام, فإن احتواء الموقف الفلسطيني إنما هو أصعب على الإدارة الأمريكية خاصة وان الأمر هذه المرة متعلق بواشنطن وليس بتل أبيب .
على الأغلب فان واشنطن باتت مقتنعة بأن الجانب الفلسطيني لن يتعامل معها كراع للعملية السياسية, ومن ضمن ذلك لن يستقبل ولن يناقش حتى صفقة القرن, التي تحتاج المدخل الفلسطيني, لتحل مكان المبادرة العربية, وحتى مكان اتفاقات السلام الثلاث: أوسلو, وادي عربة, وكامب ديفيد, لذا فهي تحتاج إلى تهدئة الوضع من جهة ومن جهة أخرى, قطع سلسلة التفاعل السياسي والميداني الفلسطينية, وإذا كان من شأن إسرائيل مواجهة استمرار حالة الاحتجاج الفلسطيني الميداني خاصة أيام جمع الغضب منذ ستة أسابيع مضت, فإن مهمة الجانب الأمريكي في ثنائي التحالف الأمريكي/الأسرائيلي في تنفيذ الهدف المشترك, هو وقف تفاعل الموقف السياسي الفلسطيني, وما دام الجانب الفلسطيني يتحدث عن بديل لواشنطن كراع للعملية السياسية, فإنه يمكن إحياء الرباعي الدولي, خشية أن تنفرد الأمم المتحدة برعاية الملف, أو حتى جهة أخرى, قد تكون الاتحاد الأوروبي أو روسيا . 
وضمن الرباعي الدولي توجد الولايات المتحدة, التي يمكنها بعد وقت أن تعود لدورها في رعاية الملف كما حدث في السابق أصلا, وكما حدث مع مصر مثلا حين تولت الجامعة العربية إدارة ملف المصالحة, ثم أحالته لمصر, بعد وقت يمكن للرباعي الدولي أن يعيد الملف لواشنطن, وفي أسوأ الأحوال يمكن أن ينسحب من الملف الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة, وتبقى الولايات المتحدة مع روسيا فقط . 
أي أن هذا مدخل لعدم خروج واشنطن تماما, من إدارة الملف وبقبول فلسطيني, حيث لن يكون بمقدور القيادة الفلسطينية رفض رعاية الرباعي الدولي لملف الصراع الفلسطيني /الأسرائيلي مجددا و الآن بالتحديد . 
إن حدث هذا فستكون واشنطن قد حققت تقدما مهما, ذلك أن الحوار بعد إعلانها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل سيكون مختلفا, أي أن الجانب الفلسطيني سيجد نفسه في مواجهة متغيرات قد حدثت بعد عام 2014, وسيخرج سياق الحوار بالبحث عن الحل عن كل المحددات السابقة, فالطرف الأمريكي يجلس بعد إعلانه المذكور, وإسرائيل تجلس وهي تواصل الاستيطان وبيدها جملة قرارات ومواقف سياسية خاصة بالقدس وضد المقاومة, أي أن الجانب الفلسطيني سيكون في موقف صعب جدا, سيجد نفسه غير قادر تماما  على الإصرار على حل الدولتين على أساس حدود العام 1967 . 
لكن جولة بنس تبدو بأنها ستتقدم خطوة أخرى, ذلك أن الموقف الفلسطيني القاطع تجاه صفقة القرن, التي وصفت بالمركزي بصفعة القرن, يشير إلى أن الفلسطينيين قد عرفوا مضمونها وخطوطها العامة, من خلال استدعاء الرئيس محمود عباس من قبل الرياض قبل نحو شهر من إعلان ترامب الخاص بالقدس, وهذا يعني بأن الرياض تعرف مضمون الصفقة, وحاولت تمريرها على الجانب الفلسطيني, وبقيت كل من مصر والأردن, وهذه مهمة مايك بنس والهدف من زيارته أن يقنع الدولتين بها, حيث كان إقناع السعودية اللاهثة لإقامة التحالف الأمني مع إسرائيل ضد إيران, أسهل, خاصة وأن مكانة القدس عند السعوديين أقل أهمية مما هي عند الأردنيين أصحاب الولاية الدينية عليها, وحتى عند المصريين الذين عقد أزهرهم مؤتمرا خاصا للرد على إعلان ترامب . لذا لابد من مراقبة ما ستقوله كل من عمان والقاهرة لنائب الرئيس الأمريكي بهدوء وبعيدا عن أعين الأعلام, فقد يحتاج الأمر إلى تعديل بالخطة الأمريكية, أو أن يتم عقد لقاء عربي_ إسرائيلي, يكون إزاءه الجانب الفلسطيني أمام خيارين أحلاهما مر, لأنه على الأغلب ستتم دعوته لحضور الاجتماع, فإما أن يقاطع, ويكون الاجتماع مدخلا لحل إقليمي,عربي/إسرائيلي دون الطرف الفلسطيني, أو أن يحضر ويضطر لأن يقبل بانخفاض سقف مطالبه السياسية السابقة, وأهمها ما كان يطالب به حين توقفت المفاوضات عام 2014, وكل هذا يعني بأن الجانب الفلسطيني قد بدا يقطف الثمار المرة للانقسام, ولترهل السلطة وبيروقراطيتها وحتى فسادها الذي تراكم, خاصة بعد انعدام المسائلة بتعطل المؤسسة التشريعية منذ عام 2007 وحتى الآن .