عمّان ما بعد النكبة.. و"كنزة الفدائي"


آخر تحديث: January 14, 2018, 2:01 pm


أحوال البلاد
بقلم: أحمد جميل عزم

ربما تكون الذكرى السبعون لنكبة فلسطين، مناسِبة لمراجعة كيف تغير وجه العالم العربي منذ ذلك اليوم. كثيراً ما نتوقف عند التحولات السياسية الكُبرى، من انقلابات السياسة وثورات وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وما إلى ذلك، ولكن توجد أيضاً مستويات "صغرى" لا تقل أهمّية تمسّ حياة الأفراد، وتمسّ اللغة والمفردات اليومية، والتطور العمراني والفكري. 
على سبيل المثال، أدخلت النكبة مصطلحات للغة اليومية، لم تكن معروفة أو متداولة، فمثلا لم يكن هناك شيء اسمه الضفة الغربية، أو قطاع غزة، قبل العام 1948، كما بدأ تداول مصطلح "فدائي"، وكان هذا في الأعوام القليلة التي تلت الحرب. فالضفة الغربية مصطلح تشكل بعد وحدة الضفتين، وقطاع غزة، مصطلح يطلق على مدينة غزة وما يحيطها مما بقي خارج الاحتلال الإسرائيلي، وفي البداية شاعت تسميتها بالأراضي الواقعة تحت السيطرة المصرية، أو ما شابه. أمّا مصطلح فدائي، فشاع بشكل أساسي بعد قيام الضابط المصري مصطفى حافظ بتكليف من القيادة المصرية، بتنظيم عمليات التسلل إلى ما صار يعرف باسم "الداخل" أي فلسطين المحتلة العام 1948، فصارت تسمية "فدائي" نحو العام 1955 مصطلحاً معروفاً، أكثر من مصطلحات مثل "المجاهدين" و"المناضلين". 
ويخبرني، هذا الأسبوع، أحد الذين كانوا يقطنون "القطاع" العام 1956، عندما احتله الإسرائيليون لأشهر، وكان حينها في الثالثة عشرة من عمره، كيف كان أطفال، يختبئون قرب جدار أو ساتر ما، قريب من الجنود، ويصرخون "فدائي" ويهربون، ليراقب آخرون ردة فعل الجنود، الذين كان يصيبهم الارتباك، كما يقول. ويضيف كانت كلمة "فدائي" ذات وقع خاص. 
لعل عمّان وإربد، من أكثر المدن التي تأثرت بالنكبة، خارج فلسطين، فقد جاءهما عدد كبير من اللاجئين، فتضاعف عدد سكان عمّان في "غمضة عين". وتكرر الأمر بعد العام 1967.
تثير تسميات مثل "الضفة والقطاع" مرارة الفقد والهزيمة، (حتى لو تحول الاسمان لاحقا إلى رمز من رموز الصمود)، لكن كلمة فدائي باتت، "في أغلب الأوقات"، ذات جاذبية خاصّة. وإذ يسرد نزيه أبو نضال، ابن البلقاء وعمّان، الذي انضم للعمل الفدائي، (غطاس جميل صويص، ابن مدينة عمان والمولود فيها العام 1943 والممتدة أصوله إلى مدينة السلط)، عن "كنزة الفدائي"، في كتاب سيرته الشخصية "ثورة مغدورة"، فإنّه عندما يسردها شفاهةً يضيف لها معاني، وقد حصلت على فرصة الاستماع منه إليها. في الكتاب، يقول "في جبل النظيف كانت شقيقاتـي مع نساء تنظيم فتح قد بدأن مع إطلالة فصل الشتاء صنع "كنزة الفدائي"، كان معظم سكان الجبل آنذاك من الشرق-أردنيين، وكانت النساء يتبارين لصنع أكثر من كنزة وتضمين كل منها رسالة إلى فدائي مجهول من أم أردنية". في حديثه، يضيف، إنّ فكرة نسج الصوف، تتضمن جمالاً خاصاً، حيث "قطبة أو غرزة تتماسك مع أخرى"، وفي حالة الكنزة، كانت ترفق رسالة مكتوبة على ورقة، بما تشاء صاحبة الرسالة قوله؛ هذه الرسالة من مجهول إلى مجهول، فيها جمال خاص. وفكرة النسيج هي أن تصنع شيئا واحدا. ويقول هذه هي عمّان، فيها أصول عدّة بدءا من الشامي والشركسي، إلى الذين جاؤوا من مدن مختلفة، فأُوجدت "عمّان"، وأُوجدت "الشخصية العمانية"، وهو ما يتلاقى مع ما كتبه عبدالرحمن منيف عن عمّان، وكيف أنّها قصة تحتاج وتستحق أن تروى وتقدم بشكل جميل. 
لعل مصطلح فدائي، يختفي الآن، ولا يُستَخدَم، تَحتَ وَطأَة أسباب عديدة، ولكنه كان من أجمل مصطلحات العقود السابقة، حتى لو وجد من أساء إليه، خطأً. كان جزءاً من أغنية الأعراس والزفاف، كما التحدي والرفض. 
من غزة إلى كل مكان يحتاج مصطلح "فدائي" للإحياء، حتى لو بمعاني فداءٍ جديدة. وسيرة العالم العربي من الأردن، لليمن، إلى لبنان، والكويت، والسعودية، والعراق، والمغرب العربي، ومصر، وكيف تفاعلت المدن والأفراد مع فلسطين. قصص فيها الكثير مما يروى، ويُكتشف، ويسجّل حتى لا تطول سنوات ذكرى النكبة أكثر.
بحاجة في الذكرى السبعين لتأريخ ومراجعة جريئة وشاملة، لتقديمها لأجيال جديدة.    

عن جريدة "الغد" الأردنية