القدس.. تزوير الجغرافيا والديموجرافيا


آخر تحديث: January 13, 2018, 3:52 pm


أحوال البلاد
بقلم: د. محمد يونس

ربما يغدو الابتعاد عن الظاهرة أو المشكلة، مكانيا أو زمانيا، ضروريا لإداراك حجمها الحقيقى وعلاقتها بما حولها ومن ثم وضع الأمور فى نصابها، و ينطبق ذلك على قضية القدس، فاستقراء واقع المدينة وتاريخها يقول: «ما أشبه الليلة بالبارحة» حيث سقطت القدس تحت الاحتلال الصليبى وكان استطانيا وباسم الدين زورا وبهتانا، كما هو حاليا، فقد حدث بالامس تحت لافتة «الصليب» ويستمر اليوم تحت لافتة «الهيكل» والحقوق التاريخية المزعومة فى حين أن المسيحية واليهودية بريئتان من تبريرات الاحتلال وأطماعه، وفى الحالتين كان الضعف والتشرذم فى المحيط العربى والإسلامى والتنافس السياسى أو المذهبى يسودان الأجواء.

وظلت القدس تحت الاحتلال الصليبى الاستيطاني 88 سنة بعد سقوطها عام1099م، ولكنها لم تسقط معنويا فى قلوب العرب والمسلمين، كما أن استعادتها تطلبت العدة ليس فقط عسكريا وإنما سياسى وثقافي. فقد خاض صلاح الدين الأيوبى حروبا على هذه المستويات، وفى كل مرة كان يحرز فيه نصرا على الصليبيين (مثل استرداد غزة عام 1170م وميناء أيلة «العقبة» فى العام ذاته) كان الشعراء -إعلام ذلك الزمان - يذكرونه بالقدس، لأنها كانت حية فى قلوبهم وانتقلت من الجدود إلى الأحفاد، إلى أن حررها عام 1187م، لذا فإنه حتى لو كان الوضع العربى اليوم لا يبعث على الأمل، فلا أقل من أن تبقى القضية حية فى قلوب المؤمنين.

ومن هنا تتعاظم مسئولية إعلامنا العربى والإسلامى بحيث لا تكون القدس مجرد حدث عابر أو خبر عادى فى وسائل إعلامنا، وإنما تتطلب خطة إعلامية مستمرة تبقيها حية فى العقول والقلوب وتربطها بالقضة الفلسطينية، وبخاصة فى ظل محاولات تزوير الجغرافيا والتاريخ التى تقوم بها سلطات الاحتلال لتهويد المدنية، وهذا يتطلب فضح تلك المحاولات. وتعريف الأجيال العربية والمسلمة بها، لأنها ليست المرة الأولى التى تهدم فيها معالم القدس وإنما تعرضت عبر تاريخها، إلى 18 محاولة تدمير وإعادة بناء.

وعلى الرغم من أن الجهود العربية نجحت فى إدراج القدس القديمة ضمن لائحة التراث العالمى المعرض للخطر، فإن ذلك لم يوقف العدوان على معلمها، وإنشاء أحياء جديدة بأسماء يهودية أو تغيير أسماء أحياء قديمة لتزوير جغرافية المدينة، بما يهدد بطمس هويتها العربية والإسلامية.

وتتعاظم خطورة تغيير معالم المدينة ليس فقط باعتباره انتهاكا للقانون الدولى الذى يقر حق حماية معالم المدن التى تحت الاحتلال، وإنما أيضا لما تحظى به من قدسية دينية لدى المسلمين باعتبارها أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى أهميتها للإخوة المسيحيين لأنها تضم كنيسة القيامة وأماكن مسيحية مقدسة أخرى.

وإذا كان الجدار العازل من أشهر وسائل تزوير الجغرافيا وعمل حدود صناعية ملفقة للاستيلاء على الأراضى العربية فى فلسطين والقدس، وضمها للاحتلال، فإن هناك أمثلة عديدة لتغيير جغرافية المناطق العربية بالقدس، بخاصة التى تشكل طوق حماية للمسجد الأقصى، كما أنها شهدت زحفًا استيطانيًا لتزوير المعالم الديمجرافية فيها، وطغت الصبغة التوراتية على الأسماء المستحدثة التى تم إقرارها فى سبتمبر عام 2015 لتغيير معالم المدينة، ففى سلوان مثلا تم تغيير اسم حى «وادى حلوة» إلى «شير لمعلوت»، وتغيير أسماء أخرى بالحى مثل «معلوت معيان جيحون» و«هعشور». وإطلاق اسم «شير همعلوت» على شارع بحى سلوان، وهو الاسم التوراتى الذى يدل على الطريق إلى «الهيكل»، بدلا من الطريق إلى المسجد الأقصى!

واتبعت سلطات الاحتلال إجراءات عديدة لتهويد المدينة، وتغيير جغرافيتها من أبرزها:مصادرة 56 ألف دونم من بين 63 ألف دونم هى مساحة القدس الشرقية حسب حدود البلدية القديمة. وبناء حى يهودى ومستعمرات لليهود، والاستيلاء على حى المغاربة بالمدينة لإنشاء حائط المبكى، وتهجير سكانه، ومصادرة 125 دونم لتوسيع الحى اليهودى وترحيل 900 عائلة عربية.

فضلا عن ضم القدس سياسيا للدولة المحتلة عام 1980 تأكيدا لجعلها عاصمة أبدية لها. وتنفيذ مشروع القدس الكبرى لتضم عدة مدن عربية و45 قرية تابعة لها.وإقامة طوق من المستعمرات الصهيونية داخل القدس وبمحيطها لإيجاد أغلبية يهودية بالمدينة، بلغ عددها أكثر من 60 مستعمرة ضمن مشروع القدس الكبرى.

وقد تضاعفت أعداد المستوطنين اليهود فى القدس من ألف و182 مستوطنا عام 1972 إلى 396 ألفا و527 مستوطنا عام 2016 بحسب إحصائية لموقع «سبوتنك عربي».

وإذا كانت هذ الإجراءات نماذج لتزوير جغرافية القدس وديموجرافيتها، فإن محاوات تزوير تاريخها يحتاج إلى مقال آخر.

 

عن جريدة "الأهرام"


قوات الاحتلال تقتحم بلدة سعير شمال الخليل