«احتجاجات التقشف»


آخر تحديث: January 13, 2018, 3:43 pm


أحوال البلاد
بقلم: يونس السيد

من نافل القول إن تونس؛ هي الدولة الوحيدة من بين بلدان ما يُسمى «الربيع العربي»، التي وضعت قدماً على مسار الديمقراطية، وقامت بعملية انتقال سلمي للسلطة بطريقة أثارت إعجاب الجميع؛ لكن هذه الديمقراطية سرعان ما قد تصبح مهددة؛ بفعل التجاوزات والانحرافات، التي قد تأخذ البلاد بعيداً عن هذا المسار.

يجمع التونسيون من أحزاب وشخصيات وقوى سياسية واتحادات نقابية على ضرورة الحفاظ على المكتسبات الديمقراطية، التي تحققت، حتى أن أحزاب المعارضة التي قررت النزول إلى الشارع رداً على ما سُمي «إجراءات التقشف» في الأيام الأخيرة، رفعت شعار «استعادة الثورة» في إشارة إلى الحراك الشعبي، الذي أنهى حكم زين العابدين بن علي مطلع عام 2011؛ لكن من الواضح أنهم يختلفون على كيفية معالجة الأزمات الاقتصادية والمطالب الشعبية الحياتية والمعيشية، التي تعصف بالبلاد.

الحكومة بلسان رئيسها يوسف الشاهد تقر بصعوبة الوضع الاقتصادي؛ لكنها تطالب بتفهم «الوضع الاستثنائي» وترى أن عام 2018 سيكون آخر عام صعب على التونسيين، بينما تتوعد المعارضة بالتصعيد، والبقاء في الشارع حتى إسقاط «قانون المالية»، الذي تضمن زيادة في أسعار بعض المواد الاستهلاكية والبنزين، وفرض ضرائب جديدة دخلت حيز التنفيذ منذ أول يناير/‏كانون الثاني الحالي. وبين هذا وذاك اندلعت الاحتجاجات وامتدت إلى العديد من المدن والبلدات التونسية؛ لكنها تحولت في جزء منها إلى حالة من الفوضى وأعمال عنف وتخريب ونهب وإحراق واعتداءات غير مبررة على الممتلكات العامة والخاصة.

وهنا تكمن المشكلة؛ إذ لا أحد ينكر حق التونسيين الديمقراطي والقانوني في التظاهر والاحتجاج السلمي، غير أن الخروج عن السلوك والممارسة الديمقراطية يهدد التجربة التونسية، وعملية التحول الديمقراطي برمتها؛ لكن ألّا توجد إمكانية للحوار والمراجعة والتفاهم حول السبل الأنسب لحل المعضلة الاقتصادية، وهي محور الخلاف أساساً، بين الحكومة والمعارضة، باعتبار أن الجميع معني بحل هذه المشكلة، التي لا توجد حلول سحرية لها، في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية القائمة.

وحتى في حال الاختلاف، أليس ثمة وسائل أخرى للتعبير الديمقراطي الحضاري بعيداً عن السلوكيات الشاذة والاعتداء على ممتلكات الآخرين وإفساح المجال أمام المتربصين لهدم التجربة الديمقراطية من أساسها، ومعها كل المطالب المحقة لقطاع عريض من التونسيين. أو كما يقول الاتحاد التونسي للشغل؛ وهو أكبر منظمة نقابية في البلاد، إنه مع الاحتجاجات السلمية المنظمة والمؤطرة؛ لكن لا أحد يقبل أن تتحول هذه الاحتجاجات إلى أعمال عصابات تغتصب فيها الأملاك العامة والخاصة، ولا تمت للديمقراطية بصلة.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية