ليالي الشمال الحزينة


آخر تحديث: January 12, 2018, 6:48 pm


أحوال البلاد
بقلم: أزدشير جلال أحمد

بنصف إغماءة عين , أتحسس حولي ... المكان ساطع البياض , عدا قطرات , تنزل نحو كيس بلاستيكي , متعرق, نقطة نقطة . و الزمان ساطع السكون , يشقه صوت إيقاع , نبضي . بتواتر معتاد , و بغشاوة ضبابية . ألمح خطوط بيانية , تعلو و تنزل , برتابة . ثم أغفو جسدياً , في غياهب الأمس ...
أمشي و أمشي...تسير بي خطواتي , دون هدى . تتقمصني الأرصفة , الخرساء . تتخللني ذكريات ؛ كل منها على حدا . طوراً تخرج ضحكة , من ثغرها . في إحدى المحطات , تمسح كل رؤاي , و أخرى , تصرخ كلمة أحبك . تنتشلني , وتعيدني للوراء . وعلى إحدى المقاعد , ترنو جملتي اليتيمة ؛ منذ سنة أيام خطوبتي :
- سأذيب خاتم خطوبتي , على يدي . لكي لا أنزعه أبداً . و سأهبك نفسي , طول العمر .
- أكيد ؟
- الآن.. إن كنت تشكين.!
- أعرف ؛ ولهذا, أنا مجنونة بحبك .
أمشي و أمشي . تظهر صورتك , من كل زهرة في حديقتنا ؛ حيث سميتها باسمك , في كل صفحة ماء . يشكلها مطر أيلول . على الطرقات ... تحنو علي , الريح بنسمات هادئة , بصخب الخيوط القرمزية , لذكرياتي ..
ترتسمين , في كل نفثة دخان , من سيجارتي , التي لم تنطفئ... ينتشلني , صوتك من جديد:
- متى نتزوج ؟
استيقظ من حلمي الوردي , وأدخل كابوساً , آخر :
- بعد أن أنهي خدمة الجيش.....
تذهبين بعيداً . أبحث عنك . ألاحق أفكارك ؛ فلا ألتقطها . أصرخ :
- انتظريني ....تمسكين يدي ؛ وتهمسين :
- أحبك .....و ترحلين...................................................
أحث الخطى , لألحق الركب , لأكون نفسي . أعمل ليل نهار . أكلمك عن بيتنا ؛ الذي سيأوينا ,عن أولادنا ..
نختار أسمائهم ؛ نخطط لسيرنا , وخطواتنا المستقبلية ... ثم يعود السؤال الأزلي . لكل فتاة ليطرق أذني :
- متى نتزوج ؟
و أعود , و أقول بغصة حارقة . و الخيبة تطوف وتتماوج , في جوابي جواب الشباب المعتاد:
- حين أكون نفسي .
لساني الواثق , في التغزل , يسقط عني ؛ يخزيني ؛ يتبرأ مني ؛ أبحث عنه ؛ أراه بين مخالب طير , يطير مبتعداً , متأرجحاً , نحو جبل شاهق , بعيد بعيد....................
رصيف الأزهار , لا يجيب . تطن جملة , مالك حداد في مسامعي ؛ تطير بي نحو الأفق , الغربي ؛ نحو حلب .
"راح تنساني يا حبيبي " تبكي فيروز . فأثور من جديد . كيف تنسيني , و أجوبتي الأبدية , في كل شرفة .. تعانق كل الأزهار ... تتراقص , مع كل هبة ريح ... مع كل قطرة , من دموع الغيث ...رائحتي , تعبث في كل أرجاء منزلكم ...صورتي , على جدرانكم , هل تنسين فعلاً ؟ من تفانى لأجلك , بهذه البساطة ؟ أنا لم أكد أصدق أني رأيتك , حتى أفقدك ...هل الحب يخضع , للتجارب حتى تجربينني ؟ هل هو بسيط , إلى هذا الحد ؟ أم نحن العشاق , مغفلين . بأسطورتنا الفانية , نتعلق بكذبتنا الأبدية . جوابك , يعود ويطبق على أذني , من جديد ليقصني , من جذوري :
- لن أستطيع انتظارك , حتى تنهي فترة الجيش ...دعنا نفترق أحباباً . 
تقض هذه الطعنة مضجعي . أهوي إلى الأعماق . و أظهر إلى اللا شيء... شعوري بالعدم , يتآكلني . الفوضى تعم ملكوتي .أهوي , أغرق , أركض , أصل إلى اللا نهاية ,إلى الفراغ السرمدي ......
البارحة ؛ خلعت خاتم الخطوبة ... خلعت قلبي , و قدمته للريح , لتبعثره في الجو . انتزعت غذائه الوحيد, قطعت عنه قطرات دمي , المصفرة بزمرة حب ,سلبي . قضمت معصمي , و قدمته لذكرياتي معك , على الطرقات على ضوء شارعكم المكسور . 
نقطة نقطة ....تك..تك ..تك...........تك . تتباطأ الخطوط البيانية ... نحلة صغيرة تطن , لتأخذ غفوة في عيني. تنتشل ذكرياتي اليتيمة , لتصنع منها شهداً , طيباً خاصاً , بالمحبين فقط . ثم أسمع ...
طنيييييين ............ يصرخ جهاز , بجانبي ... حركة في الخارج . أصوات تعلو و تصرخ:
- جهزوا الصاعق .
و أعود لأغفو ....تظهرين مجدداً ...تقولين : أن أرحل معك ... أعاتبك أبكي . ثم أترك يديك ....
تنحنين نحوي . تطبعين قبلة حارقة على وجنتي .... أحس بدمعة , تنزلق من دنيا مقلتيك ؛ لتسكب روحاً في جسدي المتهاوي ....طن...الخطوط البيانية , تعلو من جديد و تنزل متخاذلة , خائبة الظن ..... اغتالوا نحلتي و أعادوا لي ذكرياتي , لأموت في يوم آخر ؛ لأنسج منها رداءً , يقيني لسعات البرد القارصة , في ليلة شتاء حزينة , أخرى من ليالي الشتاء الحزينة...


ارتفاع عدد الغارات التي استهدفت موقع القدس التابع لكتائب القسام غرب خانيونس الى 12 صاروخا