من خلال الأسوار


آخر تحديث: January 12, 2018, 6:43 pm


أحوال البلاد


لم أعد أستطيع المتابعة الميدانية، فهربت إلى قنوات التلفاز ألتهم البيانات والأخبار.. أتقيأ جلها حتى بدأ الصداع يعصف بجبهتي، فتحركت نحو الشرفة ألتقط أنفاسا نقية من زفير المذيعين ولهاث المراسلين، وأترك عيني تكتحلان برؤية عصفوري الكناري الجميل.
لم تكن الشرفة مأمونة في ذلك الصباح، بعد أن قررت آلة الحرب الإسرائيلية أن تعمل بدون إزعاج في المحيط الفلسطيني، فجعلت تجوب الأفق الأعزل وتقصف الأرض والمباني الساخطة.. تساقطت الأحجار من بين أيدي الصبية وانزوت تنتظر فرصا للعمل بجوار البنادق المطأطئة.
يعلن اليمام الهجرة:
" لن تطيب لنا حياة مع هذه الطيور المزعجة التي لا نعرف لها ملة ولا لغة".
يعترض الحمام الداجن:
" لن نترك أعشاشنا حتى لو غدت أطلالا.........

....... نظرت صوب عصفوري الجميل بإشفاق.. كنت موقنا أن لديه من الطعام ما يكفيه.. كنت أخشى أن يكون الدخان والانفجارات قد أفقداه شهيته.. على كل حال، إنه يثق بي.. بقدرتي على حمايته.. 
ولكن أين العصفور؟.. لعله منزوي خلف الساقية البلاستيكية يشارك بصمته الأحياء الأخرى هم القلق وعناء الترقب.
تقدمت بغية أن أداعبه.. أن أسرِّي عنه.. صدمتني المفاجأة.. الطائر غير موجود.. فر.. ولكن كيف؟!.. القفص سليم، موصد الأبواب.. آه فعلها الصغير سامي إذن.. قرر أن يعرف الإجابة العملية على سؤاله المتكرر " أيعود ربيب القفص إن أطلق سراحه؟".. هل فعلها سامي حقا رغم أنه يعلم مدى حرصي وحبي للعصفور ؟.. أم فعلها هذا القفص اللئيم.. أشفق على العصفور من قسوة القذائف فأوسع له بين أسلاكه، ثم عاد إلى طبيعته مطمئنا إلى أنه لن يدخل في روعي اتهام أحد من فصيلة الجماد.
.. الغريب أنني استرحت لهذا الخاطر.. كأنّي به قد أعادني إلى جادة الصواب.. أكان لا بد أن أتلقى ضربة حتى أعود إلى جادة الصواب.. من حق هذا الطائر أيضا أن ينعم بالحرية والأمان أسوة بخلق الله.. لقد منعته الحرية مقابل الغذاء، فماذا عن الأمن؟..
أليس من حق هذا الكائن الحي أن يبحث لنفسه عن ملجأ من هذه الغارات التي لا تفرق بين الحشرات والطير والإنسان والحيوان؟... بلى.. من حقه ذلك.. ليته فقط يحاول زيارتنا من حين لآخر.. يتزود بالطعام إن عز عليه.. سأترك له الباب مشرعا.. لن أتحايل لأحبسه مرة أخرى.. أستودعك الله يا عصفوري الجميل، حيث كنت وأينما حللت.. سأنتظرك ولن أملَّ.
.. يسمع جرس الباب...
ـ من الطارق
ـ عابر سبيل.. أريد أن أنبهك أن صقرا يهاجم قفصك.. أرجو أن لا أكون قد تأخرت..
.. بل تأخرت.. يا إلهي.. ذبح عصفوري إذن.. دخل جوف التنين... 
هذا القفص الأحمق المتخاذل لم يستطع حمايته!.. كان فقط يقيد حريته.. يحصره بين أسواره.. وكنت لحماقتي معجبا بقدرته.. بهيمنته على العصفور الرقيق.. تبا لك من قفص تافه بليد.. لقد استغل الصقر العربيد مقدار الجبن الذي تنعم به.. أمسكك بمخالبه، وأحاطك بساعديه.. فانتفض العصفور الصغير.. حاول الهرب، فكنت له بالمرصاد.. جعل يستجديك أن تدفع عنه، نسيت أنك الآسر وهو الأسير، فأبيت عليه إباء المنابذ الجافي، أولعلك قد تذرعت بشرعية القنص والقرصنة، فجن جنون الطائر المسكين وأخذ يتخبط بين أسوارك من ضربات الوحش على أجنابك.. فقد البوصلة فاصطدم بفكي الوحش الذي أطبق عليه وأنت ترتجف خوفا على مكانك ومكانتك، ولم تزل حتى تنفست الصعداء.. استكان العصفور بين فكي الوحش، فجذبه بعنف من بين أسوارك الهشة فأوسعت له في صمت واستحياء مستترا بأجنحته العملاقة.. متمنيا أن تنتهي هذه المعركة بأقل خسارة عليك وعلى مكانتك..قد كان، وكدت تخدعني لولا عابر السبيل.. هذه أسوارك هادئة قد عادت إلى عهدها.. وهذه قسماتك جامدة، كالعهد بك.. ولعلك تنتظر مني أن أهنئك على نجاتك.. أن أحمد لك حيادك الإيجابي لصالح المعتدي.. وقد يمتد بك الخيال فتنتظر مني أن أشكر نجاحك في حصار الطائر الجميل حتى آخر لحظة في حياته..
وجدتني أتأمل القفص.. أعاينه من جديد.. وعندما طالعني أثر الجريمة يخضب أسفل أحد قوائمه، انتزعته، و من على سور الشرفة ألقيت به.