«سكن في أدوار عليا» ... شهادة على ما مضى


آخر تحديث: January 12, 2018, 4:56 am


أحوال البلاد

 

تتعدد مهمات الصورة الفوتوغرافية وتزداد الحاجة إلى توظيفاتها بمفهوم رولان بارت، كلغة اتصال تحمل زخماً تعبيرياً قوياً لإيصال المعنى المراد طرحه، خصوصاً عند استعادتها من الأرشيف، واستخدامها من جانب المؤسسات أو الأفراد، لتقديم روايات أو شهادات عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

ومن توظيفات الصورة في هذا السياق، ما طرحته الفنانة الأردنية الفلسطينية آلاء يونس في معرضها الفوتوغرافي الذي يقام في مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة في عمّان، إذ جاء المعنى في الأعمال المعروضة بمثابة شهادة على مرحلة تاريخية مضت.

المعرض الذي يحمل عنوان «سكن في أدوار عليا» أو «نسخة أصليّة بعد تحولات»، يستقرئ العمران الاجتماعي من خلال الصورة الفوتوغرافية بوصفها علامة أيقونية، بالمفهوم الخلدوني، لأكثر من حالة سياسية وثقافية واقتصادية في أكثر من بلد عربي.

ويضم المعرض الذي يستمر حتى 20 كانون الثاني (يناير) الجاري صوراً أرشيفية لأحداث مفصلية حصلت في فترات سابقة، وهناك قسم خاص يشتمل على مجسّمات صغيرة لجنود ترمز إلى الجيوش التي شاركت في حروب المنطقة خلال تلك الفترات.

ومن بين الأعمال المعروضة، صورة التقطها المعماري العراقي رفعة الجادرجي لمبنى قاعة الألعاب المغلقة عام 1982 ضمن مشروع «مخطط بغداد الكبرى» الذي بدأت المرحلة الأولى فيه ببناء قاعة الألعاب المغلقة التي صممها المعماري لو كوربوزييه عام 1978.

وفي حديث إلى «الحياة»، تقول يونس إن إنشاء عملها مرتبط بهذا المشروع من مواد جُمعت من أرشيف عدد من المعماريين، ومن أعمال فنانين عراقيين وسِيَرهم.

ومن المشاريع المعروضة مشروع بعنوان «افتعال»، يلفت النظر فيه ربط الفنانة بين أحداث تباعدت في الجغرافيا وتقاربت في الزمن، عبر تركيب صورها وترتيبها مصفوفةً فوق أحد الجدران.

وقد تجسّد ذلك في إظهار حدث انتحار الفنان العراقي وعضو «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» إبراهيم زاير في بيروت عام 1972، إلى جانب صور رياضيين وعسكريين ألمان خلال تسلّقهم جدار برلين هرباً من ألمانيا الشرقية عام 1974.

ومن جهة أخرى، يتطرق البحث في هذا المشروع إلى طبيعة تصميم الشخوص لجهة أمزجتها من حيث إيماءات الوجوه في الرسوم الكاريكاتورية للقصص القصيرة في مجموعة «المتحمسون الأوغاد» للكاتب الأردني الراحل محمد طمّليه. وهنا تطرح تعابير الوجوه نظرات تسخر من الأنماط الاجتماعية الطبقية السائدة.

ويتضمن المعرض أيضاً صوراً لمشاهد من أحداث أُخذت من فيلمين أخرجهما يوسف شاهين عامي 1968 و1972، ويتحدثان عن «السدّ العالي» الذي كان بناؤه ثمرة تعاون مصر عبدالناصر والاتحاد السوفياتي. وأنجزت الفنانة هذا العمل بين عامي 2015 و2017، ويمكن من خلال هذه المقاربة الفنية عقد مقارنة على مستوى الطروحات بين هذين الفيلمين وأفلام لاحقة، ما يُنتج قراءة للأنظمة التي أدارت عملية البناء والصورة الإعلامية لهذا التعاون وأسلوب المخرج في التوثيق.

وعن دوافع خوضها هذه التجربة، وبخاصة عرض الصور التي تتناول بغداد، قالت آلاء يونس لـ «الحياة»: «جاء هذا الجهد ضمن دراستي للهندسة المعمارية في عمّان بعد حرب الخليج، وكان هناك تأثير كبير للفن العراقي الحديث».

وأوضحت أن رؤيتها في هذا المعرض، قامت على «تناول حقائق في روايات غير موثقة للتاريخ، الذي يتعرض لتحولات متلاحقة»، وفي تخيّل «حياة مدينة» لم يكن بإمكانها زيارتها، وصولاً لتقديم قراءات مختلفة للتاريخ برواياته السائدة.

وكي يتجاوز المعرض فكرة إعادة قراءة الوثائق، وُضع له عنوانان، واحد باللغة الإنكليزية بمعنى «نسخة أصلية بعد تحولات»، يشير إلى تعدد طرائق قراءة الفنانة للمواد الأرشيفية وكذلك الأساليب التي اتبعتها في إنجاز عملها. وهي توضح أنها أعادت استنبات هذه الطرائق في سياقات مختلفة العناصر، شكلتها عبر ترابط عناصر من روايات وأطر مختلفة عن العمران الاجتماعي في بغداد، وصولاً إلى «كينونة أو رواية جديدة خاصة». أما العنوان الثاني للمعرض «سكن في أدوار عليا»، فقدمته الفنانة باللغة العربية لـ»تفحّص قراءات الطبقات العليا في السلطة، وتأثيرها في تبديل وجهات النظر السائدة».

وتقول المديرة الشريكة في مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة، سونيا يونكرز، في معرض حديثها عن تجربة يونس: «إنها تنقب في التاريخ المعاصر محاوِلةً تفكيك السرديات السائدة وأن تعطّل التأثير العنيد لعمليات التأريخ».

يشار إلى أن هذا المعرض هو الشخصي الثالث للفنانة، بعد معرضيها في دارة الفنون (2009) ومؤسسة دلفينا (2010). كما شاركت في معارض جماعية أقيمت في مدن عربية وغربية منها: أكاديمية الفنون في برلين (2017)، ومتحف غوغنهايم في نيويورك (2016)، وبينالي البندقية (2015)، ومتحف نيوميوزيوم في نيويورك (2012 و2014)، والمتحف العربي للفن الحديث في الدوحة (2012)، ومعهد العالم العربي في باريس (2013)، وبينالي غوانغو في الصين (2012)، و «أشغال داخلية» في بيروت (2010).

يونس الحاصلة على شهادة البكالوريوس في العمارة من الجامعة الأردنية، وشهادة الماجستير في الثقافة البصرية من جامعة غولدسميث في لندن، نظمت معرض الجناح الأول للكويت في بينالي البندقية (2013)، و «متحف أدوات تردّ الغياب» في الجزائر والكويت ورام الله، إلى جانب معارض وبرامج في مصر والأردن والإمارات وفرنسا.