القاهرة تتذكّر عاشقها مكاوي سعيد في ذكراه الأربعين


آخر تحديث: January 11, 2018, 8:28 pm


أحوال البلاد

 

في ذكرى أربعينه، مازال اسم مكاوي سعيد حاضراً في القاهرة ومثقفيها كأنّه لم يرحل. فالكاتب لم يُعطِ في حياته أعمالاً إبداعية جميلة فحسب، إنما منح وسط البلد ونخبه كثيراً من وقته وأحاديثه وذكرياته وضحكاته. ولم يكن ثمة شيء يمكن أن يطفئ تلك البهجة المتجددة عند مكاوي سعيد سوى الموت، هو الذي ضرب بسهم وافر في السرد بتنويعاته المختلفة، ومثّلت نصوصه الروائية تحديداً إضافة نوعية لجدارية السرد العربي. بدأ سعيد شاعراً؛ ومن ثم ظلّت اللغة السردية لديه تنزع نحو جملٍ مسكونة بشحنات عاطفية وفكرية، من قبيل جملته في «تغريدة البجعة»: «لا أنت تركتني يا هند ورحلت، ولا أخذتني معك؛ وأنا طفلك الذي تركته بلا حماية. فماذا تتوقعين؟». وفضلاً عن النزوع الشعري الذي بدا مضفراً في بنية السرد، سنجد كاتباً مكيناً للسيناريو ومخرجاً لعدد من الأفلام التسجيلية القصيرة.

هذا التنوع، أضيفت إليه كتابة مغايرة للمقال الصحافي الذي يستجلي المسكوت عنه عبر وسط البلد؛ مكانه الأثير، أو النبش في التراث الغنائي المصري مثلاً؛ مدركاً وهج العلاقة بين المثقف وناسه من دون صراخ أيديولوجي، وإنما وفقاً لوعي جمالي يشكل جوهر علاقته بالعالم. ولكن يظل للسرد حضوره الأبرز في مشروع سعيد الإبداعي، إذ مثّلت روايته «فئران السفينة» استجابة جمالية مدهشة لواقع آسن ومتآكل، يفقد فيه الإنسان الفرد معنى وجوده، ويجد نفسه محاصراً بجملة من الأرواح الصغيرة «الفئران»، تلك التي تبلورت على نحو أكثر جدلاً في متن البنية الاجتماعية، بخاصة بعد تعرضها لهزات عنيفة جعلتنا أمام «تغريدة البجعة»؛ الرواية والمدلول في آن.

ثمة عالم يشرف على الرحيل، يطلق فيه الشخوص صرختهم الأخيرة مثلما تطلق البجعة تغريدتها حال استشرافها الموت. في «تغريدة البجعة» تمثل منطقة وسط البلد نقطة انطلاق السرد، فمنها تبدأ الحكاية المركزية. واللافت في النص أنه لم يتعامل مع المكان وفق رؤية سابقة التجهيز، ولكن وفق رؤية من الداخل، بحيث ثمة وعي عميق بالتكوينات الاجتماعية المشكلة لهذه المنطقة؛ فضلاً عن الوعي بالمكان الروائي Novalic place ودلالاته.

يمثل المقهى مركز السرد في الرواية، ومنه تتفرع الحكايات والأمكنة (المنيا/ المكسيك/ سنغافورة/...) لتصير «وسط البلد» لدى مكاوي سعيد بمثابة الندّاهة السحرية التي ينجذب إليها الشخوص بتبايناتهم، لتتجاور هنا أمكنة عدة وثقافات مختلفة، ونصبح أمام موضوع «كوزموبوليتاني» يتجاوز الواقع المحلي ليرصد واقعاً أشمل، وأشد شراسة في الآن نفسه. واقع تشكله آليات السوق الراهنة، والرأسمالية المتوحشة. سنجد هنا أيضاً مصطفى، البطل المركزي في الرواية، الذي يحيل على نموذج إنساني يبـــدو ممزقاً وموزعاً بين قيم متصـــارعة، وتأتي الإشارات المتواترة لأطفال الشوارع بوصفهم علامة على عطب مجتمعي آخذ في التداعي منذ سبعينات القرن المنصرم، ومن ثم يأتي بطله من رحم الحركة الطالبية مفعماً بأمل ينكسر تحت وطأة التحالف بين الفساد والرجعية.

في «تغريدة البحعة»؛ تتجلى إحدى أهم السمات الفنية لمشروع مكاوي سعيد؛ حيث الاحتفاء بالمشهدية البصرية من جهة، والاتكاء على آليات تقنية آتية من حقل الفنون البصرية والأدائية؛ وأعني تحديداً السينما والمسرح، بحيث نرى استفادة من تقنية السيناريو في النص، وحضوراً واعياً لتقنية التقطيع السينمائي المتوازي، فضلاً عن الإيهام المسرحي.

تهيمن فكرة الإخفاق على روايات مكاوي سعيد، بحيث يخفق الإنسان في أن يكون ما يريده، ما يسلمه إلى اغتراب عن الذات. وقد بدت بارزة جداً في روايته «أن تحبك جيهان» التي مثّلت موقفاً احتجاجياً مِن العالم، إذ يقف شخوصها منذ المفتتح وحتى المختتم السردي على حافة اليأس والتشوّه حيناً، والمقدرة على المقاومة حيناً آخر، بعدما تآكلت الطبقة الوسطى وبدت الثورة خلاصاً جماعياً.

يوظف مكاوي سعيد أحداثاً واقعية وشخوصاً حقيقيين في متنه الروائي، مدركاً جدل العلاقة بين الرواية والواقع، محتفياً أحياناً بالحسّ التسجيلي لجملة من الوقائع والمرويات، وبما يشي بالإيهام بواقعية الحدث الروائي، مثلما نرى في المقطع التالي: «كنتُ أنا وجيهان ضمن المجموعة الواقفة أمام (جروبي) في مواجهة مجموعة (مكتبة مدبولي)، وكان جنود الأمن المركزي يتشكلون بهيئة نصف قوس أمام كل مجموعة وكانوا أقرب إلى مجموعتنا التي تقف حرة من دون متاريس بينما المجموعة المقابلة كانت ترتكز على المتاريس الحديد. وكان منظر الجنود مرعباً بتجهمهم وبنظراتهم المندهشة والكارهة لنا، وبخوذهم وبنادقهم وهراويهم وعصيهم الكهربية. ورأيت على الجانب الآخر الأديب بهاء طاهر والشاعر أحمد فؤاد نجم وكنت أعرفهما من وسائل الإعلام».

بدا السارد في «تغريدة البجعة» عليماً بكل شيء، إلا في مقاطع يبدو فيها لا يعرف أكثر من أبطاله، ولكن في «أن تحبك جيهان» نصبح أمام رواية بوليفونية، تتعدد فيها منظورات السرد أيضاً، فتُروى الحكاية عبر أكثر من زاوية. واللافت أن الحكايات هنا تتكئ على التلاحم في ما بينها، مثلما يعتمد السرد على آلية التوالد الحكائي، بحيث تتناسل الحكايات بعضها من بعض، وتتجادل المسارات السردية في نص يحفل بالتوتر المكتوم الذي ينتهي بالثورة، ويحتشد بزخم التفاصيل، وجسارة الإروتيكي، وتأزم ريم على رغم مقدرتها الهائلة على الفضح، وتعثّر جيهان في عالمها، واغتراب أحمد الضوي على رغم التحامه بالمجموع في النهاية، هذا الالتحام الذي يظل مفتوحاً على سؤال أساسي: هل يمكن الفعل الثوري أن يقضي على إشكاليات طبقة اجتماعية (الطبقة الوسطى) في سبيلها للأفول والنسيان؟ وهذه الروح الأسيانة نجدها حاضرة في مجموعته اللافتة «البهجة تحزم حقائبها»، حيث يصبح كل شيء قابلاً للمحو والتبدد، والمغادرة. هذه المجموعة تعد علامة على تطور تقني وفكري في مشروع مكاوي سعيد القصصي الذي بدأه بـ «الركض وراء الضوء»، ثم «راكبة المقعد الخلفي» التي تحلّت بنزوع كلاسيكي يعتمد الحكاية أكثر من أي شيء آخر.

برع مكاوي سعيد كثيراً في ما تمكن تسميته كتابة المكان، بحيث تتجلى قدرته في استنفاد طاقات الفضاء المكاني الإيحائية قبل توصيف بنياته المادية، وبدت «مقتنيات وسط البلد» تعبيراً فنياً رهيفاً عن أمكنة وبشر نرى ملامحهم النفسية في صيغة جمالية تخص كاتبها، وقد ظلت ملازمة له وهو يكتب عن الثورة في كتابه «عن الميدان وتجلياته»، حيث نرى استقراءً مختلفاً ومن زوايا متعددة للميدان/ الثورة/ المكان/ الشهداء.

كان مكاوي سعيد وسيظل ابن الفكرة والمحبة والنبل، والكتابة المغايرة، لكنه حزم حقائبه أخيراً ورحل تاركاً مساحات معتمة في الروح، وفيضاً مِن البهجة والمقاومة للقبح والجاهز والمألوف؛ اتساقاً مع سيرةٍ تنحاز إلى كل ما هو حر وإنساني ومدهش وجميل.