غزة تقاتل وحدها


آخر تحديث: January 11, 2018, 3:17 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لمن لا يدرك معنى القول الدارج المأثور"اللهم أكفني شر أصدقائي, أما أعدائي فأنا كفيل بهم", نقول بأن ما عليه إلا أن يتأمل أحوال قطاع غزة, إن لم يكن يقطن فيه, أو إن لم يكن بمقدوره أن يدخل إليه, ويرى بأم عينه, كيف صار حال الناس فيه, وهم يواجهون العدو في الخارج, الذي يفرض عليهم حصارا وعزلة متواصلة منذ أكثر من أحد عشر عاما, ويشن عليهم كل عامين حربا ضروسا تأكل الأخضر واليابس, ويواجهون في الوقت ذاته "شر" الصديق والأخ والشقيق, وهو يتريث ويتأنى ولا يبدو أنه في عجلة من أمره, لا لكسر الحصار, ولا لوقف المعاناة المركبة من أكثر من مستوى .
أقل ما يمكن قوله في تفسير ما يصدر عن كبار موظفي السلطة, إن كان من قبل رئيس الحكومة شخصيا أو بعض وزرائه, طول الوقت عن حجم "الأموال" أو نسبة ما "يصرف" على غزة من ميزانية السلطة, هو أن ذلك ينم عن افتراض أن غزة عبء_مالي على الأقل_ أو أنها بلد صديق تقوم السلطة بمنحه الهبات والمساعدات, لأنها سلطة تبغي مرضاة الله عز وجل, لأنها في الوقت الذي تواصل فيه الحديث عما تقدمه لغزة, لا تقول شيئا عما لا تقوم به, ولا تعرض حجم المعاناة اليومية التي يعيش تحت وطأتها نحو مليوني إنسان, كما أنها لا تقول ولا تفصح عن حجم الأموال أو نسبة ما تصرفه على الضفة الغربية من ميزانية السلطة, التي يفترض فيها أنها سلطة واحدة لكل من الضفة والقطاع, والأهم أنها لا تقول التفاصيل عن حجم ما يصرف على القطاعات المختلفة, الصحة مثلا في مقابل الأمن, والتعليم مقابل ميزانيات كبار الموظفين !
ولعله لم يتبق للسلطة المركزية حتى ورقة التوت التي كانت تخفي بها عورتها الإدارية, حين بدأت منذ نيسان الماضي, أي منذ ما قبل نحو عام, بإحالة موظفيها في القطاع حصرا, دون زملائهم في الضفة الغربية, للتقاعد القسري المبكر, أي أنها لم تعد تميز بين مواطن وآخر في غزة, لا بين من هو متعاطف مع حماس, ولا من هو منحاز لفتح, أو بين موظف في حكومة الأمر الواقع, أو بين موظف عمل بالسلطة قبل أن تتشكل الحكومة الحالية, وقبل أن يقع الانقسام, وحتى قبل أن يتوظف موظف واحد في الضفة الغربية, أي حتى قبل أن تنتقل مدن الضفة الغربية لسلطة الحكم الذاتي . 
لا يبدو أن الانقسام سينتهي, ذلك أن السلطة الحاكمة تريد أن "تحلبه" وأن تستثمره إلى آخر رمق, فهي لا تريد أن تقدم القشة للغريق, ولا مصل الحياة للمريض, إلا بعد أن تضع يدها على كل شيء, وإلا بعد أن تسيطر بالكامل على قطاع غزة, وتفرض عليه "الاستسلام" لمشيئتها, فلا يعود بمقدوره أن يواصل شغفه بالحرية, ولا قدرته على المقاومة, مقاومة العدو باحتلاله والصديق بسطوته . 
قلنا منذ البداية وفي أكثر من مقال, بأن خصم نسبة 30% من رواتب موظفي غزة, يعني عمليا إحالة إلى التقاعد, ذلك أنه معروف بكل بساطة أن المتقاعد يحصل على 70% من آخر راتب كان قد تقاضاه وهو رأس عمله الوظيفي, ومن الواضح, بأن السلطة قد أنجزت الكثير خلال نحو عام من هذه الإجراءات التي تهدف إلى أن تدخل غزة وقد أحالت كل الموظفين أو معظمهم المعينين منذ عام 1994 للتقاعد, في حين أنها ما زالت تواصل التردد والتلكوء في حل مشكلة نحو 40 ألف موظف تم تعيينهم كموظفين بدلاء منذ عام 2007, من قبل حكومات حماس, وقد بدأ حديث السلطة في الأيام الأخيرة يكشف بعضا من نواياها .
فهي تقول بأنه سيتم لاحقا تعيين بدل ممن تتم إحالتهم للتقاعد, من بين موظفي حماس (الذين ما زال مبكرا إحالتهم للتقاعد, حيث لم يمر على توظيفهم أكثر من عشر سنوات), ومن بين الخريجين الجدد, وضمن ميزانية السلطة واحتياجاتها, أي أن كل هذا يمنح السلطة سلطة أعلى في التحكم بتنفيذ هذا الملف, بعيدا أو خارج إطار سلطة الفصائل متمثلة بما تم الاتفاق أو التوافق عليه بهذا الخصوص في اتفاق القاهرة 2011 .
وسلطة الفصائل عند حكومة السلطة إنما هي سلطة وطنية, أما هي فسلطة التوافق مع أوسلو, أي أنها أولا, لا يمكنها أن تقوم بتعيين كل من عليه اعتراض أمني إسرائيلي, وهذا يشمل كل موظفي حماس في أجهزة أمن غزة, بما في ذلك الشرطة المدنية والأمن الوطني, وقبل أن تدخل إلى تفاصيل ملفات موظفي قطاع غزة, الذين باتت تفصل لهم قانونا مدنيا خاصا, فهي لا تطبق باختصار القانون ذاته المعمول به في الضفة الغربية, والحديث يدور عن تصنيف موظفي غزة حسب اللجنة الإدارية القانونية التي يفترض فيها أن تنتهي من ملف موظفي حماس بغزة الشهر القادم كحد أقصى, إلى أربع فئات, كلها يفرض عليها التقاعد ما بين سن 45_55 . 
وحدة الحال بين كل الموظفين وحتى المواطنين في قطاع غزة, تدفع الجميع للبدء بالسير على طريق الاحتجاج ومعارضة  حكومة السلطة مدنيا, وقد بدأت كرة الثلج  بإعلان موظفي ثلاث وزارات هي الأشغال والعمل والمرأة الإضراب الشامل لمدة ساعة واحدة عن العمل, احتجاجا على قرار وزير الزراعة بإعادة 20 موظفا للعمل !
تحاول حكومة السلطة من بين كل ما تقوم به هو أن تتبع سياسة التمييز أو مواجهة هذا بذاك, مع أن الجميع في غزة متضرر منها, فموظفها مخصوم من راتبه 30% وموقوفة عنه العلاوات والترقيات منذ سنوات, وموظف حماس, لم يتم تعيينه رسميا من قبلها بعد, وبعد كل هذا يتحدث البعض عن الحكومة على أنها حكومة توافق وطني, أو أنها حكومة دولة فلسطين, التي تشمل جناحي الوطن, وكل هذا والحديث ما زال مقتصرا على ملف الموظفين, فما بالنا لو انتقل الحديث إلى ملف السلاح والأمن, حينها يمكن أن تعلن "الحرب العالمية الثالثة" في قطاع غزة, اللهم اكفني شر أشقائي, أما أعدائي فأنا كفيل بهم, هذا هو لسان حال أهل قطاع غزة اليوم, بقضهم وقضيضهم, بصغارهم وكبارهم, وبكل تلاوينهم السياسية بالطبع !