إيران في منظور ترامب


آخر تحديث: January 10, 2018, 3:52 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

بكتابه عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ ضرب الكاتب والمخرج التلفزيوني الأمريكي مايكل وولف ضربته الثانية في سوق النشر، بعد ضربته الأولى عندما نشر في العام 1997 كتاب "ألف طريق الى مكة" وصف فيه رحلة الحجيج المسلمين وطقوسها ومعانيها، ثم أتبعه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بكتاب يُعرّف بالإسلام، من خلال لقاءات مع نحو خمسمائة شخصية إسلامية في العالم. فالرجل يعرف كيف يقتنص موضوعاته، ولعله رأى في سلوك الرئيس ترامب ما يُغري بالكتابة، فتوافر على الاتصالات مع عدد كبير ممن عَرفوا هذا الرئيس قديماً وحديثاً، ليخرج بكتابه "نار وغضب داخل بيت ترامب الأبيض"!

مايكل وولف يهودي ساعدته هويته الثقافية مع ذيوع صيته في القدرة على اقتحام الموضوعات الصعبة، على الوصول الى المعلومات التي لا يستطيع ترامب إنكارها. ففي العرض الذي قدمته الصحفية في "الأهرام" منال لطفي، على امتداد عدة حلقات، لمجمل الكتاب، بدا واضحاً أن الرجل وطاقم العاملين أو أقرب المساعدين، لا يعرفون شيئاً عن القضايا الدولية. فقد جاء أول رد فعل له، على صعيد الأوضاع في سوريا مثلاً؛ نتيجة مشهد ضرب خان شيخون بالسلاح الكيماوي، شاهدته نائبة رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي دينا باول، عبر الانترنت،  فأطلعت عليه "إيفانكا" ابنة ترامب، ودعت الأخيرة أباها لمشاهدته، فاتخذ قراره بضرب القاعدة الجوية السورية التي قيل إن الغارة أو إطلاق الصواريخ كان منها!

 يؤكد وولف في كتابه، أن المسؤولين المتخصصين فى السياسة الخارجية والعلاقات الدولية فى الدائرة الضيقة حول ترامب غائبون، وهو نفسه على غير دراية بتعقيدات السياسة الدولية، بل إن فجوة الفهم والخبرات فى إدارة ترامب، كانت كافية لإضعاف الإدارة على المسرح الدولي. فلا خارطة طريق لهذه الإدارة، وهذا هو أحد الأسباب التي جعلته يقذف بقرار نقل السفارة الأمريكية الى القدس، ويعترف بها عاصمة لإسرائيل، لكي يوحي بأنه ذو توجهات مدروسة يمكن أن تعطي مصداقية لوعوده الانتخابية، وهذا في العمل السياسي، حسب الكاتب، نوع من الانتهازية الصرفة!

يزدحم الكتاب بالأمثلة على خفة الرئيس الأمريكي ورعونته وجهله ونوعية تحالفاته. فالدائرة الضيقة التي يأوي اليها ترامب في آخر النهار، يمتلك فيها شيلدون أديلسون ملياردير كازينوهات القمار اليمينى والمدافع القوى عن إسرائيل وصديق نتنياهو والداعم الأكبر لترامب؛ حضوراً وازناً وله تأثيره العميق. ثم إن مستشاري ترامب، غير ذوي الصلة بالسياسة، يتخبطون حائرين لا يعرفون كيف يفكر سيدهم، ويتبادلون الأسئلة. فكيف يستطيع الرئيس الوفاء بوعوده الانتخابية، وتحقيق الرخاء للأمريكيين الذين يراهن عليهم لكي "تعود أمريكا عظيمة" حسب تعبيره. فأحدم يسأل الآخر:"هل يفهم الرئيس الملياردير حقاً الطبقة العاملة وقضيتها الشعبوية، الإنعزالية والحمائية؟! هل يدرك ترامب المكان الذى وضعه فيه التاريخ"؟! فيُجيب الآخر:"إنه يفهم ما يفهم"!

لعل من بين الإضاءات اللافتة التي يمكن تأملها والاستفادة منها، في كتاب وولف، أن عداء ترامب لإيران، خلق له سياقاً في سياسته الشرق أوسطية،  معطوفاً على سلوك إيران نفسه. فلو كانت إيران تعاطت مع دول الجوار بمنطق وسلوك يساعدان على تحقيق الوئام في العلاقات الإقليمية؛ لما كان هناك سياسة أمريكية تلعب على التناقضات وعلى اصطدام الإرادات في الإقليم. فإيران في منطق ترامب هي العدو، وعدوها صديق له، والدول كلها إما معه أو ضده، بل إن الدول الضعيفة والفاشلة لا قيمة لها عنده.

في هذا السياق ينشط فرخ هنري كيسنجر، أي زوج ابنته جاريد كوشنر الذي يحاول محاكاة داهية السياسة الدولية وحاخام الدسائس في السبعينيات. فالشاب كان قد تعرّف على كيسنجر من خلال الاختلاط في المناسبات وتأثر به واستقطبه كيسنجر. وبات الشاب يضطلع بالمهمات السياسية الاستراتيجية على حساب وزارة الخارجية، تماماً مثلما يحدث في الدول الفاشلة، عندما يتولى شاب من الدائرة العائلية للرئيس القيام بالمهام الحساسة. ثم إن زوج إبنة الرئيس يتحرك برؤية حَماه والد زوجته، الذي يرى الشرق الأوسط من منظور واحد وهو عدائه لإيران التي يراها مصدر الغدر والسموم. ومع العلم، أن سبب هذا العداء لإيران، هو موقفها من إسرائيل وسياساتها الاقتصادية أو البترولية المستقلة التي لا تتدخل فيها المؤسسات الاقتصادية الدولية. فقد كان ولا يزال في مقدور إيران تسوية مشكلاتها وإنهاء أسباب هذه المشكلات، لكي يمكن للإقليم مجتمعاً مواجهة سياسة أمريكية شديدة الولاء للصهيونية، بحيث لا يكون هناك مجال للعب على التناقضات، أو يكون هناك محاكاة عربية للموقف الأمريكي الذي يرى نظام الملالي مصدراً للشر والغدر والسموم!