خريف إيران يسقط أوراق الملالي


آخر تحديث: January 8, 2018, 8:32 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

التغيير في إيران عام 1979, جاء متأخرا جدا عما حدث من ثورات داخلية/اجتماعية في معظم دول العالم الثالث, التي سار معظمها بعد تلك الثورات التي أطاحت أما بالاستعمار, أو الاحتلال الخارجي, أو بأنظمة الحكم المستبدة العميلة للغرب, كما حدث في كوبا, عام 1959, حين قام فيدل كاسترو بالثورة على نظام حكم باتيستا الذي كان مواليا للجار الأمريكي, على الطريق الاشتراكي بأنظمة حكم شيوعية . 
عشرون عاما ما بين الإطاحة بنظام حكم باتيستا في كوبا, ونظام حكم الشاه محمد رضا بهلوي في إيران, كانت كفيلة بأن يختلف نظام الحكم الجديد في كل من كوبا وإيران أحدهما عن الآخر, من حيث الجوهر, رغم التشابه في الكثير من المعالم والسمات بين النظامين . 
كل الثورات التي حدثت على أنظمة الحكم التابعة للغرب الرأسمالي إبان الحرب الباردة, سرعان ما تحالفت مع المعسكر الاشتراكي الذي كانت تتزعمه روسيا السوفيتية, أما ما جعل من "ثورة" إيران تقيم نظاما مختلفا هو أنها حدثت بعد ثورة كوبا_على سبيل المثال_بعشرين عاما, المهم أنها لم تحدث في سياق الحرب الباردة, وإن كانت قد حدثت في آخر أيامها .  
لم يفكر الخميني بالتقرب من موسكو, رغم أن الحزب الشيوعي كان ما زال في الحكم حينها, ولابد من الإشارة إلى أن الثورة الإيرانية, كانت ثورة شعبية سلمية وغير مسلحة, أسقطت الشاه عبر التظاهر السلمي, خاصة لحظة عودة آية الله روح الله الخميني إلى طهران من المنفى الباريسي حيث كان يقيم, واستقبله أكثر من خمسة ملايين مواطن . 
سلمية الثورة الإيرانية وعدم ارتدائها للثوب الاشتراكي ميزها منذ البداية, كذلك خبرة الخميني جعلت الثورة تنجح في أيامها الأولى في إرساء نظام الحكم الجديد, حين تحالف رجال الدين مع بعض شخصيات ورجال الحكم السابق من الليبراليين, من مثل, أبو الحسن بني صدر الذي انتخب كأول رئيس للجمهورية, لكن تعيين الخميني نفسه كمرجع أعلى, أو كمرشد للثورة, رسخ لاحقا ما يعرف بنظام حكم الملالي, حيث أن المرشد يظل فوق الدستور وفوق رأس نظام الحكم المنتخب, أي فوق الرئيس والبرلمان, ويقود نظاما مكونا من الأجهزة الأمنية, أهمها بالطبع الباسيج أو حرس الثورة, أو ما يعرف بجهاز مصلحة النظام .
أهم ما ميز نظام الحكم الجديد هو أن رجال الدين قد احتلوا مكانة القيادة فيه, مما طبعه بطابع ديني/طائفي نظرا إلى أن معظم مسلمي إيران يدينون بالمذهب الشيعي, حيث يوجد لهذا المذهب أتباع في العراق, لبنان, ومعظم دول الخليج العربي .
أما اللحظة التي نجحت فيها الثورة الخمينية في إسقاط واحد من اعتى أنظمة الاستبداد في الشرق الأوسط الموالية للغرب الرأسمالي في لحظة أفول قوة التأثير الشيوعية على العالم, قد منحت أفقا للكثير من شعوب المنطقة, كذلك ساهمت في تقديم الدين الإسلامي كايدولوجيا ثورية, يمكن اعتمادها في الكفاح ضد الاستبداد أو حتى ضد الاحتلال الخارجي .
هكذا بدأت الثورة الإيرانية في عبور حدود إيران للخارج, فكان أن بدأت تظهر, خاصة بعد سقوط جدار برلين وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي, جماعات وحركات دينية تقدم الإسلام على أنه ايدولوجيا ثورة, فظهر حزب الله في لبنان, ثم حماس و الجهاد الإسلامي في فلسطين, كحركات مقاومة للاحتلال الأسرائيلي في جنوب لبنان وفي فلسطين, وذلك بعد عام 1982, متأثرة بالثورة في إيران . 
لكن ثلاثة عقود من حكم رجال الدين في إيران, قد راكم أداء الحكم الداخلي الذي اتسم بالاستبداد, ليس في مواجهة الأقليات المضطهدة أو المحتلة أرضها مثل عرب الأهواز, ولكن ضد عموم مواطني الدولة, حيث فرض النقاب على المرأة وفرض التزمت على الجميع,وعلقت الرقاب على المشانق بحق كل من يعارض نظام الحكم, وأغلقت كل مظاهر الحياة المدنية في بلاد توارثت حضارة قديمة وحياة عصرية أيام حكم آل بهلوي, والأهم هو أن إيران التي وجدت نفسها في حالة عداء مع معظم دول الجوار, إضافة إلى العزلة الدولية, قد اضطرت إلى الدخول في سباق تسلح, إن كان خلال الحرب مع العراق التي استمرت ثماني سنوات, أو من خلال محاولة "تصدير الثورة" عبر حزب الله, حماس والجهاد, أو من خلال محاولة قلب أنظمة الحكم في عدد من دول الخليج العربي . 
وسباق التسلح عادة ما يكون على حساب التصنيع في الداخل, كما حدث مع الاتحاد السوفيتي السابق, الذي انهار بسبب تراكم أزمات الاقتصاد, وكبت حقوق الأفراد, وهذا ما يحدث الآن في إيران .
إيران التي تهتم كثيرا منذ ثلاثة عقود بتوسيع دائرة نفوذها في الخارج, خاصة في الجوار, والتي تهتم بامتلاك القوة العسكرية, والتي أقامت علاقات العداء مع الخارج بشكل عام, تضطر إلى فرض القبضة الحديدية في الداخل, لذا فان الجيل الشاب الحالي الذي عمره اقل من 30 سنة ولد كله في ظل هذه الحياة القاتمة, قد ضاقت نفسه _الآن_  بهذه الحياة, وبكل هذا السواد .
مشكلة إيران في نظام حكمها, كما هو حال كوريا والدول الاشتراكية سابقا, والمشكلة تتعقد بحيث تصبح الثورة حتمية حين يقع الناس بين فكي كماشة الفقر والقمع, فنظام حكم مستبد لكن مع رخاء اقتصادي كما هو حال دول الخليج, أو نظام حكم ديمقراطي مع فقر يمكن احتمالهما, أما الفقر مع القمع فلا يمكن احتماله, لذا فقد خرج "ربيع إيران" يرفع الشعار: لا غزة ولا لبنان, المهم هو إيران . 
لم يتوقف ملالي الحكم في ظهران كثيرا أمام نموذج اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية حيث تدخل هذا البلاد كل العالم بما تصدره من سلع, ولا تحتاج للجيوش لتدخل البيوت والدول, لذا فإن معاجلة إيران أسهل على أمريكا وإسرائيل من كوريا التي لديها القنابل النووية, بل ومن الصين واليابان وألمانيا التي تمتلك قوة الاقتصاد وعلاقات حسن الجوار مع الآخرين