بديل عباس


آخر تحديث: January 3, 2018, 10:53 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لا يمكن القول بكل ببساطة, أو بكل ثقة, بأن النظام الرأسمالي الغربي, هو نظام ديمقراطي تماما, من حيث أننا نفهم الديمقراطية على أنها نظام حكم الشعب, الذي يحقق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين والأفراد, بغض النظر عن الفروقات العرقية, الدينية أو الطبقية بينهم, وذلك لأكثر من سبب منها, أن الديمقراطية في الواقع تتحقق بشكل نسبي, كذلك فأن المعنى أحيانا قد ينطبق على مواطني الدولة ولا ينطبق على تعامل الدولة ذاتها مع مواطني دول أخرى أو حتى مع شعوب أخرى, المهم أن المعنى النسبي, يدفعنا إلى التعامل مع الوقائع ليس من زاوية الرؤية الحادة, أبيض/أسود, ولكن يدفعنا إلى أن نفكر وان نتأمل دائما في الأنظمة السياسية التي تحيط بنا . 
نحن نقول باختصار, بأن الدولة الرأسمالية إنما هي دولة مؤسسات أكثر منها دولة ديمقراطية شعبية, وهي بالطبع ليست دولة مستبدة, أو دولة تتبع نظام حكم الفرد, أو الحزب الواحد, لكن لو تأملنا نظام الحكم في الولايات المتحدة, وهو نظام رئاسي, لوجدنا بأن الانتخابات الرئاسية تجري بشكل غير متزامن مع انتخابات الكونغرس, كذلك فإن من يترشح لمنصب الرئيس, عليه أن يفوز بترشيح احد الحزبين: الجمهوري أو الديمقراطي, أي انه يظل محكوما حين يصبح رئيسا لمؤسسة الحزب الذي أوصله للبيت الأبيض, ورغم أن الولايات المتحدة لا يمكن القول بأنها محكومة بنظام الحاكم الفرد, ولا الحزب الواحد, لكنها محكومة منذ أكثر من مائتي عام بنظام حكم الحزبين, اللذين يتداولان الحكم حصرا بينهما .
والرئيس الأمريكي رغم أنه محاط بمؤسسات عديدة ذات نفوذ وتأثير عليه, منها الكونغرس, الحزب الذي ينتمي إليه والحزب المعارض, كذلك أجهزة الأمن ومؤسسات الاقتصاد, ورؤوس الأموال, إلا انه شخصيا لديه قوة كافية لتدمير العالم بأسره, حيث لديه بشكل حصري الحق في امتلاك الكود الخاص باستخدام القوة النووية للبلاد . 
والديمقراطية هي أبعد من مجرد إجراء انتخابات عامة, حيث أن صوت المواطن نفسه محكوم بالنظام الانتخابي الذي كلما تم تضييق دائرة الترشح فيه, كلما قلت الخيارات, ومحكوم بظروفه التي تدفع _في بعض الحالات_ البعض لانتخاب حزب أو مرشح مقابل مبلغ مالي !
لكن رغم ذلك, وفي النظام الديمقراطي الرأسمالي, النسبي بمساحة العدالة الاجتماعية المحدودة فيه, يتم انتخاب الرئيس الأمريكي مع نائب له, خشية أن يتعرض للاغتيال كما حدث في أكثر من مرة سابقة, وعادة لا يسافر الرجلان معا, تجنبا لاغتيالهما معا, لكن في نظام حكم الفرد, حيث لا حكم للمؤسسات, خاصة فيما تبقى من دول لم تنم بعد, كما هو حال بلادنا, فإن كثيرا من الأنظمة العربية لا مكان فيها لنائب للرئيس !
لعل السلطة الفلسطينية, التي نشأت بعد اتفاقات أوسلو سيئة الصيت والسمعة, مثال واضح على ما نقول, فمنذ قامت السلطة نشأ لدينا نظام حكم, مختلف عن نظام م ت ف التي كانت حركة تحرر, فالسلطة تدير شؤون أكثر من أربعة مليون مواطن في القدس والضفة والقطاع, على رأسها رئيس ليس له نائب, ومنذ عام 2007, تحكم دون مؤسسة التشريع المعطلة, فضلا عن أنها قد تجوزت مدتها القانونية, والتي هي أربع سنوات انتهت منذ عام 2010 !
هذا الحال الذي هي عليه السلطة الفلسطينية جعل منها سلطة ضعيفة, أو انه زاد على ضعفها, كسلطة لا تحكم بلادا مستقلة, ضعفا, لذا فإنها كلما "واجهت" الخصم أو العدو, ممثلا بإسرائيل, ثم بإسرائيل وأمريكا, قام العدو بتوجيه الضغط على السلطة ورأسها وهدد بإزاحته من الحكم, بالحديث عن بديل له . 
ومنذ اليوم الأول الذي نشأت فيه السلطة, عام 1994, كانت إسرائيل تكثر من الحديث عن خليفة ياسر عرفات, لابتزازه سياسيا, وبتقديرنا, لا يمكن لنا أن نلوم العدو, على ما يتبعه من سياسات غير أخلاقية بما في ذلك التفكير باغتيال الرئيس عباس, كما فعل مع سلفه ياسر عرفات, بقدر ما علينا أن نلوم أنفسنا, لأننا لا نقوم بتحصين "نظام الحكم" عندنا, لنغلق الشقوق, حيث علينا أن لا ننسى ولو للحظة أننا في حالة صراع, حتى لا نقول في حالة حرب دائمة ومستمرة مع العدو الأسرائيلي . 
في العام 2007 وحين ظهر الانقلاب في غزة, وما تلاه من انقسام, لاحظنا بأن نظام حكم حركة فتح_على اعتبار أنها الحزب الحاكم, لأنها حزب الرئيس_ معلق بشخص الرئيس محمود عباس, لدرجة أنه لو توفي _والموت حق على كل إنسان_ وهو رجل قد تجاوز الثمانين من العمر, أو أنه اغتيل من قبل هذا أو ذلك, فإن الحكم سينتقل رسميا لرئيس المجلس التشريعي, والذي رغم أنه سيكون مؤقتا لمدة ستين يوما, إلى حين إجراء انتخابات رئاسية, فان أحدا لا يضمن أن تجري تلك الانتخابات, لأن إسرائيل يمكن أن تعرقلها أو حتى تمنعها .
ومحمود عباس, هو رئيس السلطة ورئيس م ت ف, ورئيس حركة فتح, وليس له نائب, لا في م ت ف, ولا في السلطة, وقبل عام فقط انتخب له نائب في حركة فتح, وهذا يثبت إلى أية درجة نظام حكم السلطة يضعف نفسه بنفسه, لأنه يتمحور ويتمركز حول شخص رجل واحد .
لا يمكن نفي أو التصدي للتصريحات الإسرائيلية والأمريكية ببدء البحث عن "بديل لعباس" بالقول بأن شعبنا سيرفض أي بديل, ذلك أنه بعد أن اغتيل الرئيس التاريخي ياسر عرفات, اجبر الشعب على اختيار خليفة له, فالتصدي يكون بمحاولة بناء "نظام حكم" أكثر ديمقراطية من نظام حكم الفرد الواحد والحزب الواحد, وأول خطوة هي استحداث منصب نائب الرئيس, في السلطة والمنظمة, وقبول مبدأ تداول السلطة, فنظام ديمقراطي نسبي أفضل من نظام حكم الفرد, خاصة وأن الشعب الفلسطيني ما زال بحاجة لحركة التحرر أكثر من حاجته لنظام الحكم, لكن لأنه ليس من الوجاهة التراجع عن المتحقق من استقلال نسبي في غزة, ومن حكم ذاتي في الضفة, لذا نقول بان التقدم على الطريق الديمقراطي بنظام الحكم الناشيء, خطوة إلى الأمام, أفضل من البقاء هكذا, تحت رحمة العدو, وتهديداته بالبديل الرئاسي .