توقعات العام 2018


آخر تحديث: January 1, 2018, 3:36 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لن يخرج العام الجديد 2018 بما سيشهده من أحداث سياسية, عن السياق التاريخي العام المتحقق خلال السنوات الماضية . لكن خارج إطار توقعات المنجمين الذين يرجعون كل ما يحدث "للقوى" الخفية, أو لتحكم النجوم بحركة الأرض, دون أيلاء الأهمية والاعتبار لإرادة البشر, ولما يفعلونه بالواقع, نقول بأن العام الجديد, سيكون مختلفا بدرجة ما عن الذي سبقه, من حيث أن دولا مركزية, مثل الولايات المتحدة, فرنسا وبريطانيا, قد شهد العام الماضي انتخابات مفصلية فيها, لذا فإنها هذا العام ستشهد استقرارا نسبيا, واتضاحا لمعالمها السياسية الأساسية, خاصة على الصعيد الخارجي, فيما من الممكن القول, بأن كلا من الصين وروسيا ستحققان نفوذا عالميا أعلى مما كان عليه الحال, في السابق, الصين ارتباطا بثقلها الاقتصادي الذي يزيد يوما بعد يوم, وروسيا, في الشرق الأوسط, وارتباطا بالحدث الكروي الذي سيجري على أرضها, كذلك إعادة انتخاب فلايديمير بوتين كما هو متوقع كرئيس للبلاد .
سيترسخ دونالد ترامب وأعضاء أدارته المركزيين في الحكم, وسيكونون هذا العام أكثر فاعلية, ذلك أن السنة الثانية تكون مختلفة عن الأولى, التي يجري فيها تحسس الطريق للحكم, لذا فان فاعلية واشنطن في الشرق الأوسط ستزيد, وسيتعمق انحيازها بهذا الطاقم لإسرائيل, لذا فإن إسرائيل مستندة لحليف ملتصق بها, وبشرق أوسط ما زال يغوص في المشاكل الداخلية, ستزيد من هجومها الاستراتيجي على الشعب الفلسطيني, محاولة إغلاق كل الأبواب والنوافذ التي ما زالت تؤشر على الاحتلال بأصابع الاتهام, وربما يحدث ما هو أسوأ على الصعيد الفلسطيني, مع واقع الحال العربي المتردي, لكن من المستبعد أيضا أن يتم ترتيب سياسي نهائي للقضية الفلسطينية, ذلك أن إعلان ترامب بشأن القدس قد وضع "صفقة القرن" على الرف, ولذا فإن خيارات واشنطن وتل أبيب إزاء الملف الإيراني, ربما ستذهب باتجاه آخر, غير الذي تريده السعودية, وهو أنشاء حلف أمني ضد إيران .
لعل التظاهرات التي جرت قبل أيام في إيران, تغري الثنائي: إسرائيل والولايات المتحدة بتجريب خيار أطلاق "ربيع إيراني" خلال هذا العام, أي تجربة الضغط على إيران من الداخل, خاصة من نقطة ضعفها الرئيسية وهي الاقتصاد, كما حدث من قبل مع الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية مطلع عقد تسعينيات القرن الماضي, خاصة وأن فتح إيران من الداخل, إن لم يؤد إلى إسقاط نظام الملالي, فأنه سيضعف كثيرا من قدرة البلاد على مواصلة الاستمرار في برنامجها النووي, وفي دعم الحركات السياسية المتحالفة معها, حيث كانت شعارات المتظاهرين واضحة حين تضمنت: لا غزة ولا لبنان, الأولوية لإيران . 
إن ضعف أو تراجع النفوذ الأمريكي في كثير من مناطق العالم, يجعلها تبحث عن التعويض في الشرق الأوسط, لكن واشنطن ستكتشف بأن الروس قد سبقوها إلى المنطقة, وإذا كانت روسيا قد ثبتت أقدامها في سوريا, مقابل الوجود الأمريكي في العراق, فإن روسيا ليس أمامها إلا مصر لتعزيز تواجدها في المنطقة, فيما واشنطن تعتمد كثيرا على إسرائيل ودول الخليج العربي, لذا فإنه من المتوقع أن تدفع واشنطن حلفاءها, أي إسرائيل ودول الخليج إلى مزيد من التقارب, ولكن خارج الممر الفلسطيني, لذا ربما يتم اللجوء إلى أنشاء مشاريع اقتصادية مشتركة كمخرج, حيث أنه يمكن أن يتم تضمين الملف الفلسطيني, في مثل هذا الحل الاقتصادي الذي يقول ببنيامين نتنياهو منذ سنوات, وربما يبدأ الأمر بشق قناة البحرين . 
من الواضح أنه بعد انتهاء الحرب الباردة, ترك الغرب بما فيه أوروبا وأمريكا اللاتينية للنفوذ الأمريكي فيما انكفأت كل من روسيا والصين داخليا, الأولى لإعادة تنظيم الدولة على أساس النظام الرأسمالي, ومن ثم إعادة الاستقرار السياسي للبلاد, الأمر الذي تم أخيرا, ومع قوة روسيا العسكرية ومخزونها من النفط والغاز, فأنها بدأت في الدفع بحضورها على الصعيد الدولي, فيما الصين انكفأت داخليا لتكمل ثورتها الثقافية, بانطلاقة اقتصادية عملاقة, تضاف إلى قوتها العسكرية, لذا فإن كلا من الصين وروسيا, اللتين لم تكونا على وفاق حتى وهما تتبعان النظام الشيوعي, ستجدان نفسيهما تتقاسمان النفوذ في الشرق, وحيث أنه في كل منطقة هناك دول إقليمية, ففي الشرق الأقصى هناك إلى جانب الصين, اليابان وقريبا منها الهند, كذلك هناك كوريا, أما في الشرق الأوسط فهناك تركيا وإيران وإسرائيل, تماما كما في الغرب هناك الاتحاد الأوروبي, لذا فإنه يمكن القول بأن عصر هيمنة دولة أو دولتين على العالم قد ولى .
أي أنه ربما يذهب العالم إلى أقامة أنظمة إقليمية على أساس من التوافق والشراكة وتقاسم النفوذ, كما يحدث في سوريا الآن بين روسيا, تركيا وإيران, من "احترام" كل دولة لمنطقة نفوذ الأخرى, وليس كما حدث في العراق من تفرد للنفوذ الأمريكي رسميا والإيراني شعبيا .
المشكلة هنا, هي أن العرب لن يكون لهم نفوذ ولا دور ولا تأثير, فيما يخص مجالهم الحيوي الخاص بهم, فحيث أن إسقاط نظام صدام حسين جرى باليد الأمريكية, وحيث أن الملف السوري يتم ترتيبه بمعزل عن الدول العربية التي يمكن في ظل غياب سوريا والعراق أن تشكل محورا إقليميا (مصر والسعودية) كما كنا قلنا مرارا وتكرارا, فإن العام المنصرم شهد تراجعا في إمكانية تشكل هذا المحور, وبتقديرنا فإنه إذا كانت الحرب الباردة قد صنفت العالم أو قسمته لثلاثة عوالم رئيسية: العالم الأول الرأسمالي, والثاني الاشتراكي, والثالث الدول النامية, فإننا نجازف بالقول بأن عالم ما بعد الحرب الباردة, أو عالم اليوم يمكن تصنيفه على أساس أنه ينقسم إلى عالمين أثنين فقط هما : عالم منتج وعالم مستهلك .
فكل الدول التي انتهجت برامج إنتاج اقتصادي فعالة وناجحة, تقدمت وحققت, إن لم يكن نفوذا عالميا, رغم ضعفها العسكري_ ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية_ فقد حققت الاستقلال الداخلي_ تركيا, ماليزيا, سنغافورة, الهند, اندونيسيا, أو نمور أسيا عموما, إضافة لبعض دول أمريكا اللاتينية .  أما الدول التي ما زالت مستهلكة فهي خارج العصر ومستلبة ولا تمتلك قرارها بيدها, وإن كانت تمتلك الثروات الطبيعية مثل الدول العربية(الخليج على وجه الخصوص) ودول أفريقيا الفقيرة أصلا, وهي ما زالت خاضعة لإرادة الآخرين, أي مستقلة بالشكل دون المضمون .