القدس 2018


آخر تحديث: December 28, 2017, 3:55 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

هاهو العام 2017 يلفظ أنفاسه الأخيرة, ولا أحد قام بطرح التساؤل عما آل إليه الشعار الذي كانت قد رفعته السلطة الفلسطينية, عند حلول هذا العام الذي ينقضي, حين اعتبرت أنه سيكون عام إنهاء الاحتلال, وذلك بمناسبة أنه في العام 2017, وتحديدا عند منتصفه, كان قد مر على احتلال الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة, أي أراضي دولة فلسطين, خمسون عاما بالتمام والكمال, وكان ذلك لأن السلطة التي تقود الشعب الفلسطيني منذ أكثر من ربع قرن, كانت تظن بأن الانتخابات الأمريكية, التي كانت توحي بفوز سهل للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ستقوم بإعادة أحياء العلمية السياسية, بما يتيح المجال لتحقيق هدف وطني كبير, من مستوى إنهاء الاحتلال الأسرائيلي, وفق إستراتيجية السلطة القائمة على الكفاح السياسي والدبلوماسي, باعتباره " أرقى" أشكال الكفاح الوطني, لكن العام 2017 ما كاد يقترب من نهايته, حتى أقدم دونالد ترامب بعد أن راوغ فيما يخص تصوره الرسمي للحل طوال عام كامل, على الإفصاح عن وجهه الحقيقي .
أقل ما يمكن أن يقال عن  سياسة ترامب هو أن السلطة الفلسطينية قد أخطأت تجاهها التقدير, فحتى وصول المرشح اليميني المتشدد, والذي اظهر خلال حملته الانتخابية عداء صريحا ليس فقط تجاه القضية الفلسطينية, بل أفصح عن جوهر عنصري ضد المسلمين وضد المهاجرين حتى من جيرانه _المكسيك على سبيل المثال_ ورغم كل ما قاله حول الاستيطان, والتزامه بنقل سفارة بلاده إلى القدس, إلا أن السلطة الفلسطينية كانت قد وصلت إلى حالة من الضعف وانعدام الخيار السياسي, لدرجة أنه بمجرد أن قال بالاتصال بالرئيس محمود عباس هاتفيا, بعد انتخابه, وبمجرد أن أعلن عن إصراره تحقيق حل للصراع الفلسطيني/الأسرائيلي, رغم انه لم يفصح عن طبيعة هذا الحل, حتى فتحت السلطة عقلها للرجل وإدارته, ولم تقرأ جيدا ما هو مكتوب على جبينه . 
في الحقيقة أن جزاء مهما أو حتى أساسيا من المشكلة التي يعيش فيها الشعب الفلسطيني ناجم عن الوضع الداخلي, حيث ما زالت القيادة الفلسطينية برأسها ورئيسها تظن, بأنه يمكن تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني عبر الطريق السياسي/الدبلوماسي وحده, كما لو كانت القضية مجرد قضية جنائية, يمكن أن تتحقق فيها العدالة عبر المحكمة الدولية, أو من خلال المجتمع الدولي, رغم أن السير عبر هذا الطريق طوال ربع قرن, يقول بوضوح بأنه قد وصل للانغلاق مبكرا, وبالتحديد عام 2000, أي أن كل هذه السنوات_ 17 سنة بالتمام والكمال_ كانت مضيعة للوقت, وناجمة عن سوء تقدير وسوء قيادة, ذلك أن الشعب الفلسطيني نفسه, لم يقصر في ميدان المواجهة والكفاح, حيث انتفض عام 2000, وحاول بانتخابه حماس عام 2006 أن يوصل رسالته, لكن دون جدوى, فانتفض عام 2015, وما بينهما واجه حروبا في غزة أعوام 2008/2009 , 2012, 2014 على التوالي , وكان على أبواب انتفاضة في تموز الماضي على أبواب الأقصى, وها هو ينتفض مجددا الآن . 
ومن الواضح أن إسرائيل التي كانت في العقود السابقة, تقوم بإجراء نوعي كل عشرة أعوام بشن حروبها ضد الدول العربية, وضد الشعب الفلسطيني, تفكر حاليا بعد أن أغلقت عشرة أعوام أولى من عمر السلطة, بتحويل دفتها من ياسر عرفات إلى محمود عباس, تفكر _ ربما خلال العام الجديد, بتشكيل قيادة سلطة جديدة, تخرج خالصة من رحم السلطة التي تشكلت بعد أوسلو, أي نقية تماما ليس من قادة وكوادر م ت ف والانتفاضة الأولى, كما أشرنا في مقالنا السابق, بل ومن البرنامج الوطني, لصالح برنامج حكم ذاتي صريح وواضح بأهدافه وجوهره وفحواه وأدواته ! 
ليس فقط ضيق أفق وسوء تقدير السلطة جعلها تتمسك "بحبال الهواء" وتستمر بالمراهنة على الولايات المتحدة, وتواصل القيام بمهمة التنسيق الأمني, حتى تبقي عليها إسرائيل وتمنع عنها السقوط, بل إن ربع قرن من أقامة السلطة بالتوافق مع إسرائيل بهذا الشكل أو ذاك, أبعدها عن هموم وطموحات وأجواء الناس, وجعلها تفكر في حساباتها الخاصة, لذا فأن قدرتها واستعدادها الكفاحي صار متدنيا جدا, وأقل ما يمكن الإشارة له هنا بهذا الخصوص, هو أن السلطة الفلسطينية بعد ياسر عرفات, حكمت الشعب الفلسطيني طوال 12 عاما من الانقسام دون أن تضع له حدا, ومن العجز عن تجديد انتفاضة العام 2000 .
لابد من التوقف جيدا أمام فشل محاولتي كل من كتلونيا وكردستان/ العراق, رغم ما أجرتاه من استفتاء شعبي, أيد بنسبة ساحقة الاستقلال, حيث لم توافق الأنظمة الإقليمية ولا الدولية على تحقيق الاستقلال للكتلون ولا للكرد, بما يعني بأن اللجوء للوسائل والأساليب السلمية أو القانونية, السياسية والدبلوماسية فقط, لا يؤدي للاستقلال ولا لتحقيق أهداف الشعوب . 
لابد من كفاح متعدد الأشكال والسوائل, وحتى يتحقق هذا فأنه لا بد من توفر قيادة تؤمن به أولا, وقادرة على الانخراط فيه ثانيا, حيث لا يعقل أن يقود الشعب الفلسطيني وهو ما زال يرزح تحت نير الاحتلال الأسرائيلي "رئيس ورئيس حكومة, ووزراء وقادة أجهزة" لا أحد منهم مستعد للاستشهاد أو للاعتقال, ولم يسبق له أن مارس ولا أي شكل من أشكال"العنف", فيما قادة إسرائيل بالمقابل, من لم يقدم أوراق اعتماده عبر الجيش أو الموساد, قدمها عبر التطرف ومن خلال المستوطنين وعبر اليمين واليمين المتطرف . 
في مقابل كل ما يبديه أعضاء الحكومة الإسرائيلية, وكذلك ما يخرج من البيت الأبيض الأمريكي ووزارة الخارجية من قرارات تجاه الصراع الفلسطيني/الأسرائيلي, لا يكفي الإعلان عن أن الولايات المتحدة باتت غير مؤهلة لرعاية العملية السياسية, بل لابد من الرد بالإعلان عن المقاومة الآن وبكل أشكال الكفاح ضد الاحتلال الأسرائيلي وضد كل التواجد الخارجي في القدس الشرقية وكل الضفة الغربية, وهذا يجب أن يخرج من فم الرئيس ورئيس الحكومة وكل وزرائها, وإلا فان الشعب الفلسطيني, لابد له من قيادة أخرى جديدة ومتجددة, تليق به وباستعداده للكفاح, وتناسب مفترق الصراع الذي سيكون عليه عام 2018, الذي سيتمحور حول القدس .