إحالة السلطة للتقاعد السياسي


آخر تحديث: December 25, 2017, 12:13 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

تدخل قطري أخير, قد ينقذ ملف إنهاء الانقسام من الدخول في حالة التبريد مجددا, كما حدث مع كل المحاولات السابقة, رغم التقدم الذي حدث هذه المرة, ورغم ما أبدته حركة حماس من كل الاستعداد لتسليم قطاع غزة للسلطة المركزية, ورغم الرعاية المصرية والدعم القطري, وهذا يضع علامة استفهام, بل ويوجب رفع كل مظاهر المساءلة السياسية للسلطة المركزية في رام الله بمستوييها الرسميين, مؤسسة الرئاسة والحكومة معا .

التسريبات تشير إلى انه للشهر الثالث على التوالي, أي منذ ما بعد اتفاق إنهاء الانقسام الأخير منتصف تشرين أول الماضي, ستستمر مالية السلطة بخصم ثلث فاتورة راتب موظفي غزة, كما أنها ستواصل إجراءات التقاعد القسري بحق عسكريي غزة, إلى أن تنتهي اللجنة الإدارية/القانونية من إصدار قراراتها في ذلك الوقت, بل إن أولئك المتقاعدين لن يعرفوا أنه تم تقاعدهم إلا بعد استلامهم رواتبهم من البنوك, أي أنهم لن يستلموا كشوفات التقاعد من هيئة التامين والمعاشات لأنها مشغولة بقضايا أخرى !

من الواضح بأن ما اتخذ من اجراءت عقابية عامة بحق قطاع غزة, عشية انطلاق عربة إنهاء الانقسام, كانت لها دوافع سياسية, وليست إجرائية وظيفية ولا بأي شكل, والهدف السياسي منها هو "تنظيف" وزارات ومؤسسات السلطة من قيادات وكوادر شاركت في العمل الوطني, إن كان قبل إقامة السلطة أي بالخارج من خلال الكفاح المسلح, أو بالداخل من خلال الانتفاضة الأولى, فكل من أمضى 15 عاما من العمل في السلطة, وبالتأكيد في م ت ف, يعني بأنه قد انخرط في المحطة الأولى, وهؤلاء في الغالب تم تقاعد معظمهم قبل ذلك بوصولهم إلى سن الستين, وفي المحطة التالية, ممن تجاوزوا  خمسة عشر عاما في الخدمة, ذلك أن معظم من تم تعيينهم في السنوات الأولى لإقامة السلطة كانوا من أبطال الانتفاضة الأولى .

وكما هو حال معظم قادة الأجهزة الأمنية وكوادرها, كذلك معظم وزراء وكبار موظفي وزارات الحكومة الحالية, التي تشكلت وفق أوسلو وبالعلاقة مع إسرائيل, تريد السلطة المركزية لكل موظفيها خاصة في قطاع غزة, أن يكونوا على شاكلة موظفيها في الضفة الذين تم توظيفهم منذ ما بعد عام 2000, أي منذ أن انتقل الراحل ياسر عرفات برئاسة السلطة من غزة إلى رام الله .

في الحقيقة فأنه بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لدولة الاحتلال, ليس فقط الرعاية الأمريكية للعملية السياسية هي التي لم تعد ممكنة, بل كل العملية السياسية بأسسها التي قامت عليها, أي اتفاقات أوسلو, وأجوائها ومفاعليها, وحيث أن الشعب الفلسطيني  انطلق يقاوم الإعلان الأمريكي فإن السلطة الرسمية بشقيها ما زالت اقل بكثير من مستوى الشعب المقاوم, فالرئاسة بالخارجية تكتفي بالتحرك على الصعيد الدبلوماسي الخارجي, وتكتفي بإصدار القرارات والمواقف في منظمة الأمم المتحدة, ونسيت أن كل القرارات التي صدرت, بما في ذلك قرار اعتبار دولة فلسطين عضوا مراقبا في الجمعية العامة, وحتى قرار مجلس الأمن 2334 الذي اتخذ قبل عام واعتبر المستوطنات عملا غير شرعي, حتى التصويت في مجلس الأمن على مشروع قرار بإدانة إعلان ترامب أو قرار الجمعية العامة بعد ذلك, على أهميتها المعنوية لم تغير من واقع حال الاحتلال على الأرض شيئا, وأن إسرائيل لا تعرف سوى لغة المقاومة . فيما تواصل حكومة السلطة, الضغط على قطاع غزة, وعدم الاهتمام بإنهاء الانقسام, إلا وفق ممر وحيد, رسمته إسرائيل وهو أن تتم السيطرة الأمنية على القطاع لصالح التنسيق الأمني, كما هو الحال بالضفة الغربية .

قبل أن يتم اللجوء إلى ملف تفجير المصالحة وإنهاء الانقسام, وهو الملف الأمني, ظهر الملف الثاني في الخطورة, وهو ملف موظفي حماس بغزة, حيث لم تهتم حكومة الحمد الله, ولا حتى بمنح هؤلاء الموظفين "سلفا" على حساب الراتب, كما فعلت السلطة الناشئة خلال النصف الثاني من العام 1994 معنا حين جئنا من الخارج وانخرطنا في صفوفها إلى أن تم أنشاء ديوان الموظفين وتم إعداد السلم الوظيفي وتحديد الدرجات الوظيفية لكل من تم تعيينه رسميا من قبل واخذ هذا الأمر بضعة أشهر .

في الحقيقة فإن جيل عهد التميمي ورفاقها, الذي سقط منهم حتى الآن 12 شهيدا ونحو 700 جريح وما يقارب من 500 معتقل, منذ إعلان ترامب, يحتاج سلطة ليست شابة وحسب, بل سلطة مقاومة, حينها لن يكون الملف الأمني أو ملف سلاح المقاومة في غزة مشكلة, كذلك لن يكون هناك فرق بين موظفي حماس وفتح, لأن الجميع سيكون مقاوما والجميع سيكون في خندق واحد .

المشكلة بكل بساطة هي أن السلطة بمؤسستيها ليست على مستوى الشعب الفلسطيني, لا في استعداده للتضحية ولا على مستوى تطلعاته للوحدة والحرية والاستقلال, وأن انتفاضة الشعب ضد الاحتلال وضد الانقسام, لابد أن تطيح في طريقها بهذه السلطة, وليس فقط بحكومة الانقسام الحالية .

بمعنى آخر وبكلام صريح, فإن هناك من تتطلب المصلحة الوطنية إحالته إلى التقاعد, وهو سلطة أوسلو بآخر تشكيلة وصلت إليها, أي الرئاسة والحكومة اللتين تحكمان فلسطين منذ عامي 2004/2005, دون أية رقابة شعبية, لا برلمانية ولا وطنية, ولا أخلاقية, وهذه السلطة أدمنت حالة الانقسام, وأدمنت العمل وفق واقع احتلالي بغيض, وهي سلطة مدجنة تماما, لا تقوم بأي فعل حاسم من شأنه حقا أن يضع حدا للاحتلال, ولم يعرف الشعب طوال الأثني عشر عاما من حكمها سوى الانقسام والحصار واستمرار الاستيطان, والمزيد من قهر الاحتلال, وهي لا تمتلك في أحسن أحوالها سوى جملة الاحتجاج الكلامي, وتعجز عن بث روح الأمل, وتعجز عن رص الصفوف لأنها ببساطة لا تؤمن بالمقاومة وليست منحازة لها, ذلك أن فلسطين بحاجة إلى ثورة داخلية كما حدث عامي 1965, و1987, اللذين أنجبا جيلين تقوم حكومة سلطة التنسيق الأمني طوال عقد من الحكم تولته بإحالتهما إلى التقاعد القسري !