صفعة بصفعة وترامب هو الأظلم


آخر تحديث: December 16, 2017, 5:31 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

قد لا يطول الزمن كثيرا حتى نرى "جبهة" عالمية مناوئة للولايات المتحدة, قد تشكلت, خاصة ضد سياستها الخارجية, التي تتخذ مواقف ضد دول عديدة, بدعوى الحفاظ على المصالح الأمريكية, دون أن يكون ذلك ضمن السياق الأممي, أو انسجاما مع قرارات أو سياسات دولية, وقد حدث هذا في أكثر من مناسبة, وفي غير مكان, لدرجة أن الولايات المتحدة قد خاضت حروبا في أفغانستان والعراق وسوريا, واتخذت قرارات متعاكسة تماما مع قرارات الشرعية الدولية فيما يخص القضية الفلسطينية, وكان آخرها إعلان البيت الأبيض, وعبر شخص رئيسه دونالد ترامب يوم الأربعاء قبل الماضي اعترافه بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل . 
هذا الإعلان كان سببا في ظهور ردود أفعال غاضبة ورافضة عمت العالم بأسره, وكانت سببا في عقد قمة طارئة لمنظمة المؤتمر الإسلامي بحضور 48 دولة عضوا في المنظمة, إضافة لروسيا وفنزويلا, حيث رد المؤتمر الصفعة بصفعة, واعتبر القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين, ودعا دول العالم لإقامة سفاراتها لدى دولة فلسطين في القدس الشرقية, حيث عبرت تركيا, الدولة المستضيفة للقمة, عن نيتها إنشاء سفارتها لدى دولة فلسطين في القدس الشرقية .
كان من الواضح تماما أن قمة اسطنبول الإسلامية قد عقدت ضد الإعلان الأمريكي الخاص بالقدس, بما يوحي بأن القمة الإسلامية إذا ما اتبعت بيانها الختامي بجملة إجراءات عملية على الأرض, فإنها قد تتحول مع مرور الوقت إلى جبهة سياسية دولية مناوئة للولايات المتحدة خاصة فيما يخص مواقفها تجاه الملف الفلسطيني والعديد من الملفات الإقليمية التي تهم الدول العربية ومعظم الدول الإسلامية . 
ولعل هذا كان سببا في أن العديد من الرؤساء والملوك لم يحضروا القمة, حيث اكتفت بلادهم بإرسال وزراء خارجيتها أو وزراء الشؤون الدينية فيها, لأن الجميع يعلم بأن القمة قد عقدت "ضد" واشنطن, لدرجة أنه قيل بأن كلا من الرئيس الفلسطيني محمود عباس والملك الأردني عبد الله الثاني قد تعرضا لضغوط حتى لا يشاركا شخصيا في القمة !
ما يؤكد ذلك هو أن تساؤلات عدة قد ظهرت نتيجة عدم مشاركة بعض الدول بعينها, في قمة اسطنبول, وفي مقدمتها السعودية التي اكتفت بأن يرأس وفدها وزير الشؤون الدينية, ومصر التي رئس وفدها وزير خارجيتها, وهنا نقول بأنه إذا كانت طبيعة العلاقة غير الودية القائمة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب أردوغان, تفسر عدم مشاركة الرئيس المصري, فلم لم يشارك العاهل السعودي أو ولي عهده ولا حتى وزير خارجيته بالقمة التي يعتبر مجرد انعقادها أمرا مهما, أظهر لواشنطن, إلى أي مستوى والى أية درجة كانت تتمتع بالسذاجة والغباء حين اتخذت ذلك القرار, الذي نجم عنه حتى الآن العديد من التطورات, فأول ما نجم عنه هو أن الجانب الفلسطيني لم يعد يقبل بالولايات المتحدة راعيا أو وسيطا للعملية السياسية بينه وبين الجانب الأسرائيلي, ثم هو كان سببا في تحريك المياه الراكدة, إن كان في ساحات المواجهة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الأسرائيلي, أو في كل مكان آخر, حيث عادت مجددا التظاهرات حتى في تل أبيب تندد بالاحتلال الأسرائيلي المستمر والمتواصل لأرض دولة فلسطين منذ خمسين عاما . 
وخلال أيام كانت واشنطن تضطر لأن تبلع الإهانة المزدوجة التي وجهتها إليها فلسطين الرسمية برفض دعوة ترامب للرئيس عباس زيارة واشنطن, ورفض استقبال نائبه مايك بنس في رام الله . ورغم إدعاء واشنطن في معرض تبريرها أو محاولتها تمرير الإعلان بأنه للمساهمة في إطلاق العملية السياسية, أظهر استطلاع رأي إسرائيلي بأن 67% من الإسرائيليين أنفسهم يرون عكس هذا, الأمر الذي دفع مستشار البيت الأبيض جاريد كوشنير للقول بان الإعلان كان سببا في تأجيل طرح أو عرض "صفقة القرن" وأن ردود الفعل أدت إلى فترة انتظار مؤقتة .  
وبعد ما أبدته مندوب الولايات المتحدة نيكي هايلي من غطرسة عقب الإعلان بقولها بأنها كانت تتوقع أن تنطبق السماء على الأرض نتيجة الإعلان, جاءت أقوال المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيدز نويرت, لتعبر عن التراجع في الموقف الأمريكي من حيث المحتوى على الأقل, حين قالت بأن الحدود السيادية الإسرائيلية في القدس تخضع للمفاوضات بين الطرفين . 
وما من شك بأن التوتر المتصاعد إن كان على الحدود بين قطاع غزة وما يسمى بغلاف المستوطنات الإسرائيلية الجنوبية, أو ذلك الذي يجري في الضفة الغربية, كذلك ما يحدث في دول الجوار, خاصة الأردن والتي دفعت كلا من العاهل الأردني والرئيس الفلسطيني للمشاركة أولا في قمة اسطنبول, وثانيا لإلقاء كلمتين في غاية الأهمية والقوة توافقتا مع ما يمثله الرجلان من مسؤولية تجاه القدس, بالمعنيين السياسي والديني وحتى الأخلاقي, كل ذلك يؤكد بأن الإعلان الأمريكي لم يمر مرور الكرام, وأنه في طريقه لأن يكون حبرا على ورق, وأن أول من تضرر به هو مكانة واشنطن ليس في الشرق الأوسط وحسب, بل وفي العالم أجمع .
لم يعد سهلا بعد الإعلان على المسئولين الأمريكيين أن يقنعوا أحدا بأن بلادهم مؤهلة لأن تبقى قائدا للعالم, في كل ملفات التوتر, من الشرق الأوسط إلى كوريا مرورا بإيران . كذلك فأن مواصلة واشنطن إتباع سياسية شاذة, مختلفة عما يتوافق حوله العالم بأغلبية دوله ومعظم شعوبه, لابد أن تكون سببا في تشكل التحالفات السياسية الدولية وفي قيام الجبهات المناوئة لتلك السياسة الأمريكية الخارجية, بهدف التصدي لها وإفشالها .
يجب أن لا ينسى احد بأن العالم منتظم في هيئات دولية عديدة, بالطبع أهمها الأمم المتحدة, بجمعيتها العمومية ومجلس أمنها ومئات المنظمات التابعة لها, كذلك هناك منظمات وتجمعات إقليمية عديدة, لعل منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم أكثر من ستين دولة وتجمعا سكانيا وتمثل نحو خمس سكان الكرة الأرضية, واحدة من أهم تلك المنظمات, التي لا يجب على واشنطن أن تستهين بها, وهي تسير وفق سياسة حمقاء, كما لو كانت تقاد بمقود اليمين الأسرائيلي الأحتلالي المتطرف, وإلا فان الولايات المتحدة قد تجد نفسها في نهاية المطاف تخسر ما ربحته قبل ثلاثة عقود بنتيجة الحرب الباردة, لدرجة أن تعود للانكفاء وراء المحيط الأطلسي وتخرج من العالم القديم بأسره !